ثالثاً : قد ذكرنا في محلّه « 1 » أنّ معيارية المتن لا تحسم - على مستوى القاعدة - حيثية الصدور في الحديث ، نعم لها القدرة على حسم حيثية عدم الصدور ، فلو كان المتن مخالفاً للقرآن لأمكن لقانون معياريّة المتن أن يُسقط الرواية عن الاعتبار ، لكنّ مجرّد عدم معارضتها للقرآن ، أو وجود مناخها في القرآن لا يعني أنها قد صدرت ، فإذا أراد المستشكل هنا أن يقدّم منهج معياريّة المتن على السند بحجّة أنّ الأوّل يقيني والثاني ظني ، كما يظهر من أعماله ، فهذا لن يسلم له ، بل ستكون نسبة الظنيّة في المجال المتني أكثر أو مساوية لما هو حاصل في مجال السند ، فسيرد عليه الإشكال الذي أورده على منهج نقد السند ، وإن انتقد السند بدون وضع بديل ، كان انسدادياً - على المشهور وعلى مبناه - الأمر الذي سيحيجه مجدداً إلى الظنّ ، وهو ما سيفي به له علم الرجال .
وما يضاعف من الأزمة هنا أنّ منهج معياريّة المتن ينتمي إلى قرائن المضمون في تصحيح الأخبار ، وقرائن المضمون - على ما بحثناه في كتاب حجيّة الحديث « 2 » - أضعف في إفادة العلم بالصدور من قرائن الصدور التي هي محلّ نقاش أيضاً ، وهذا يعني أنّ منهج نقد المتن غير قادر على الارتفاع بنا نحو اليقين العام بالصدور كما يدّعي .
رابعاً : مشكلة العديد من الدارسين في مجال نقد السند والمتن ، أنّهم يشعرون أنّهم مضطرّون إما إلى تبنّي السند أو المتن ، مع أنه يمكن الجمع بينهما ، ليكون هذا الجمع هو القادر على تحصيل اطمئنان قويّ في النفس ، فإذا كان السند لا يكفي والمتن كذلك ، إلا أنّ ضمّهما إلى بعضهما وإعمال معاييرهما على الرواية قد يقوّي حالة الوثوق حينئذٍ . ومن ثمّ فالاشتغال الرجالي تبقى له جدوائيّته المعرفيّة في هذا المضمار ، حيث يقع في صراط مراكمة المعطيات التي سيساعد مجموعها في تحصيل الوثوق بصدور ولو بعض الأخبار .
وعليه ، فهذه الإشكاليّة كلّية ، والمهم النظر الميداني في قدرة علم الرجال على إرفادنا بما
هامش
( 1 ) انظر : حيدر حبّ الله ، الحديث الشريف ، حدود المرجعيّة ودوائر الاحتجاج 1 : 489 - 491 .
( 2 ) انظر : حيدر حب الله ، حجيّة الحديث : 108 - 125 .