تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منطق النقد السندي (بحوث في قواعد الرجال والجرح والتعديل) — صفحة 158

مساهمون:

ص١٥٨
والاطمئنان قضيّة تخضع لطبيعة الشخص وظروفه الشخصيّة ، وإذا كان الأمر كذلك لم يعد يمكن أن يحتج أحدٌ على أحد بحيث يُلزمه بصحّة سندٍ هنا أو توثيق راوٍ هناك ، وكذا العكس بضعف راوٍ هنا أو تضعيف سندٍ هناك . والقول بأنّ الجميع حصل لهم الاطمئنان من قول الرجالي ، ولهذا احتجّوا على بعضهم ، دعوى عهدتها على مدّعيها « 1 » . وهذه الملاحظة سليمةٌ من جهة ، وغير سليمة من جهة ثانية ؛ وذلك أنّه إذا توفّرت لنا نظريّة رجالية فيها قدرٌ من الضبط كان ذلك أكثر ضماناً لسلامة البحث الرجالي وبُعده عن الطابع المزاجي والاستنسابي ، وهذه نقطة في محلّها ؛ لأنها تسمح بإخضاع حجج الطرف الآخر لمحاكمة موضوعيّة ، باعتبار وجود حَكَم يمكن الرجوع إليه ، وتحويلها من أمرٍ ذاتي إلى أمرٍ موضوعي ، وهذه نقطة تَقَدُّم في النظريّة الرجاليّة . لكنّ القول بأنّ نظريّة الوثوق والاطمئنان لا تفيد ؛ لابتلائها بالفوضى المذكورة ، غير صحيح على إطلاقه ، والسبب : أ - إنّ بواعث اليقين والاطمئنان وإن كانت شخصيّةً في بعض الموارد ، لكنّها ليست كذلك إطلاقاً في الكثير من الموارد ؛ وذلك أنّ من يحصل له الاطمئنان يمكنه تحويل مبرّرات اطمئنانه إلى صياغة دليليّة موضوعيّة مكوّنة من العناصر والشواهد التي يرى أنّها دفعته إلى حالة الاطمئنان هذه ، ومن ثم تصبح محاكمته معقولة ؛ طبقاً للمبرّرات التي قدّمها ، وهذه المبرّرات ليست مطلوبةً فقط لإثبات الاطمئنان للغير ، بل لتحصيل الوثوق بموضوعيّة الاطمئنان الذي حصل للنفس أيضاً . ب - إنّ بين أيدينا العديد من النماذج الشبيهة التي يقبلون فيها عادةً بمثل ذلك ، فهم يحتجّون على بعضهم بالظهور ، مع أنّ الظهور ذاتيّ عفوي طبعي في كثير من الأحيان ، ومع ذلك يمكن تحويله من بُعده الذاتي إلى بُعد موضوعي ، عبر تقديم المنبّهات الوجدانية التي تبعث الإحساس بالظهور عينه عند الطرف الآخر . ويحتجّون على بعضهم بالتواتر مع أنّه
هامش
( 1 ) السوانح العاملية : 174 .