أيضاً تلعب فيه عوامل ذاتيّة وموضوعيّة عديدة تختلف فيها أحوال السامعين للتواتر ، كما بحثناه مفصّلًا في مباحث حجية السنّة في أصول الفقه ، وذلك في كتابنا ( حجيّة الحديث ) .
ج - إنّه عندما لا تثبت للرجاليّ حجيّة قول الرجاليّين من أيّ بابٍ آخر ، ولا يبقى أمامه سوى العلم والاطمئنان ، ويرى أنّ مساحة العلم أو الاطمئنان مفتوحة بشكل مقبول ، كما أسلفنا بعض كلماتهم ، فلماذا لا يلتزم بالحجيّة من هذا الباب ؟ ! وسيكون مضطرّاً في هذه الحال للقبول بنظريّةٍ تعاني من هلاميّة قهريّة ؛ فإنّ هذه الهلامية لا تبرّر إثبات النظريّات الأخرى التي لم تسلم أدلّتها .
وعليه ، فهذه الملاحظة غير تامّة بهذه الطريقة في الجملة .
الملاحظة الثالثة : إن هذه النظريّة لا تقف في عرض سائر النظريّات ، بل هي متداخلة معها ؛ لأنّ الاطمئنان قد يحصل بشهادة البيّنة ، وقد يحصل بشهادة الثقة الواحد ، وقد يحصل بشهادة أهل الخبرة وهكذا ، ومعه لا تصلح للامتياز عن غيرها ، علماً أنّ ثبوت الحجيّة من باب الاطمئنان لا يعني عدم ثبوتها من باب آخر « 1 » .
وهذا الإشكال ليس بواردٍ ، بمعنى :
أ - إنّ هذا ليس تداخلًا بين النظريّات ، بل هو تداخلٌ في مواردها ، وهذا حاصل ليس مع هذه النظريّة فقط ، وإنما مع غيرها أيضاً ، فإذا قلنا بحجيّة قول الرجالي من باب حجية خبر الثقة ، فإنّ هذا يشمل أيضاً الحجيّة لقول شهود البيّنة ؛ وأيّ ضير في ذلك ؟ فقد تتداخل النظريّات في مساحتها التطبيقيّة بالعموم والخصوص المطلق أو العموم والخصوص من وجه ، كما فيما نحن فيه .
وبعبارة أخرى : التداخل الموردي أو التطبيقي لا يعني التداخل في البناء النظريّ بين هذه النظريّات ، حتى يُعتبر إشكالًا علميّاً عليها أو كاشفاً عن خللٍ أو مفارقة فيها .
ب - إنّ القائل بالحجيّة من باب الاطمئنان يفترض عادةً أن يكون قد أسقط النظريّات
هامش
( 1 ) المصدر نفسه : 174 .