الشاهد الثالث : إنّ وجود روايات كتاب الكشي في يد العلماء في القرنين الرابع والخامس ، وما في هذا الكتاب من نصوص حديثية متعارضة في حقّ الكثير من الرواة ، بل بعض كبار الرواة . . لا يمكن في العادة أن لا يكون له وَقْعٌ ، لا سيما عند الشيخ الطوسي الذي اهتمّ بهذا الكتاب وقام باختصاره ، فهل يمكن أن يكون الشيخ الطوسي غير ناظر لهذا الكتاب ؟ ! وهل يمكن في العادة أن لا يمارس اجتهاداً في حلّ معضلات هذا الكتاب ؟ هل يمكن أن يكون وثق زرارة بن أعين دون أن يكون قد حلّ مشكلة النصوص الذامّة له ؟ ولو فعل ذلك هل يصحّ الوثوق بنتائجه العلميّة في علم الرجال دون أن تكون له نظرية خاصّة اجتهاديّة ؟
إنّ وجود الروايات الذامة والمادحة وحالة التعارض الموجودة فيها كلّها تؤكّد أنهم - في العادة - مارسوا اجتهاداً لحلّ هذه المشكلة ، تماماً كما فعل المتأخّرون ، وهذا يجعل للحدس في عملهم مجالًا وموضعاً كبيرين .
الشاهد الرابع : ثمّة نقطة حسّاسة جداً لابدّ لنا من طرحها هنا ، وهي أنّه يمكن أن يُدّعى أنّ الكثير من المواقف التي اتخذت بحقّ الرجال في تقويمهم كانت ناتجة أو متأثرة بالخلفيّات الفكرية التي يحملها الرجاليُّ نفسه ، فالذي يدرس تلك الفترة الممتدّة من القرن الثاني إلى الخامس الهجري يجد أنّ الانقسامات التي كانت موجودة بين الشيعة كانت كبيرة جداً ، وكذلك الحال بين أهل السنّة ، بحيث كانوا يهاجمون بعضهم بعضاً بشدّة وعنف .
وهذا ما يصرّح به الوحيد البهبهاني حين يقول : « وبالجملة يظهر من كثير من التراجم ، كترجمة جعفر بن عيسى وزرارة وغيرهما ، أنّ كثيراً من الشيعة يخالف بعضهم بعضاً ، ويذمّون ويقدحون ويكفّرون ، وربما كان ذلك من ديانتهم بأنهم كانوا يرون من الآخر ما هو في اعتقادهم باجتهادهم غلوّ أو جبر أو تشبيه أو استخفاف به تعالى ، وربما كان المنشأ الآخر ما هو في اعتقادهم من قصور فهمهم وعدم قابليّتهم لدرك حقيقة الأمر . . » « 1 » .
هامش
( 1 ) انظر : البهبهاني ، تعليقة على منهج المقال : 366 - 367 .