تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منطق النقد السندي (بحوث في قواعد الرجال والجرح والتعديل) — صفحة 129

مساهمون:

ص١٢٩
نجده بكثرة واضحة وجليّة أكثر في مصادر علم الرجال عند أهل السنّة ، حتى أنّنا لا نحتاج هناك لجمع الشواهد ، نظراً لكثرتها ، فبعضهم يسرد الروايات التي يراها سبب الإشكال في الراوي ، ويلاحظ ذلك على سبيل المثال في موقفهم من أبي الجارود زياد بن المنذر ، حيث ضعّفوه لرواياته في حقّ أهل البيت وذمّ الصحابة « 1 » . وهذه طريقة شائعة في القرون الأولى في التعامل مع الرواة . وقد تحدّثنا في كتابنا : ( المدخل إلى موسوعة الحديث النبوي ) عن شواهد عدّة على هذا ، وأنّه كيف كانوا يتخذون مواقف سلبية حتى من كبار المحدّثين نتيجة اعتقاداتهم ، ويتركون الرواية عنهم . وهذه الظاهرة منطقيّةٌ جدّاً ومترقّبة واحتمالها في نفسه كبير ، بصرف النظر عن خلفيّات هذا الرجالي أو ذاك في تقويم النصوص التي يرويها الرواة ، فإنّ معرفتك بصدق راوٍ من الرواة أو مخبر من المخبرين إنمّا تكون تبعاً لمعرفتك بالشيء الذي أخبرك به ، فعندما يخبرك زيد بأنّ السوق مغلق ، ثم تذهب إلى السوق فتراه غير مغلق ، ثم يتكرّر من زيد هذا الأمر عدّة مرّات ، في موضوعات مختلفة ، فإنّك تقول بعدها عن زيد بأنّه كاذب ، وليس إنساناً صادقاً ، والسبب هو أنّك اختبرت إخباراته ، وعرضتها على سائر وسائلك العلميّة التي تنبؤك عن الواقع ، ووجدتها في جملة من الموارد غير مطابقة للواقع . وهذا عينه يقوم به الرجالي بشكل منطقي ومتوقّع جدّاً ، فهو ينظر في مرويّات الراوي ، فإذا رأى فيها غلوّاً أو ذمّاً للصحابة - وهو يرفض الغلوّ بشدّة ، أو يرفض ذمّ الصحابة بقوّة ، ويرى أنّ عدالتهم ثابتة بالقرآن الكريم - فإنّه لن يحتمل صدرو هذه المنقولات عن النبي وأهل بيته وصحابته ، ومن ثم سيحكم على الناقل بأنّه كاذب ، بينما لو كان يرى أنّ ما يسمّى بالغلوّ أو ذمّ هذا الصحابي أو ذاك هو الحقّ الحقيق ، وأنّه ليس غلوّاً أبداً بل إنّما هو
هامش
( 1 ) انظر - على سبيل المثال - : ابن حبّان ، المجروحين من المحدِّثين والضعفاء والمتروكين 1 : 306 ؛ وابن عديّ الجرجانيّ ، الكامل في ضعفاء الرجال 3 : 189 - 191 ؛ وأبا نعيم الأصبهانيّ ، الضعفاء : 83 - 84 ؛ والمزّيّ ، تهذيب الكمال 9 : 517 - 520 ؛ والدوريّ ، تاريخ يحيى بن معين 1 : 269 .
منطق النقد السندي (بحوث في قواعد الرجال والجرح والتعديل) — صفحة 129 | حيدر حب الله