والذي أراه - والله العالم - أنّ شواهد مدرسة الخوئي وغيرها أقصى ما تثبت وجود هذا الاحتمال في الجملة ، لا في كلّ علم الرجال ووثائقه ومعطياته ؛ فهي تقّدم لنا صورةً مزدوجة للمشهد التاريخي ، أي أنّ علماء الرجال لم يعتمدوا الحسّ مطلقاً ولا الحدس مطلقاً ، وإنّما كان عملهم مزيجاً من الحسّ والحدس ، تماماً كما هي النتيجة التي توصّلنا إليها في المرحلة السابقة ، من أنّ بعض الموارد كانت حسيّةً لهم لا تمام الموارد ، وكأنّ بعض العلماء تصوّروا أنّ أدوات علماء الرجال القدامى كانت إما الحسّ أو الحدس ، مع أنّ الأصحّ أنّها كانت متنوّعة ، فبعضها حسّي وبعضها حدسي .
شواهد الحدسيّة في التراث الرجاليّ
والذي يشهد لوجود حدسيّات كثيرة ، ويضعّف من احتمال الحسية وحجمها بشكل جادّ - على المستوى التاريخي لا الفلسفي - عدّة أمور :
الشاهد الأوّل : وقوع الاختلاف بينهم أو الإنباء عن اختلاف الطبقات السابقة من الرجاليّين في المعطيات التي قدّموها ؛ فإنّ هذا الاختلاف شاهد على أنّهم مارسوا الاجتهاد في أحوال الرواة واختلفوا في تقويمهم . ولو كان الموضوع إخباراً لما كان هناك معنى لهذا الاختلاف في الموقف من هذا الراوي أو ذاك في الغالب بعد أن كان أمراً حسيّاً .
وهذا الشاهد له قدر من الدلالة ، لكنّه ليس تاماً على إطلاقه ؛ إذ ربما وثق النجاشي هذا الراوي ؛ لأنّه وصلته مصادر توثّقه ، فيما ضعّفه الطوسي ؛ لأنه لم تصله مصادر التوثيق ، ووصلته فقط مصادر التضعيف ، وقد يكون المضعّف كاذباً في تضعيفه ؛ فلا يكون الاختلاف كاشفاً حاسماً عن وجود حالة الحدسيّة من حيث المبدأ ، كما أنّ اختلاف المصادر التي وصلت للطوسي والنجاشي أو للبخاري والرازي لا يعني أنّ أصحاب تلك المصادر قد مارسوا الحدس والاجتهاد أيضاً ، إذا قد يوثق عمرو زيداً دون أن يطّلع على كونه كاذباً فيما يكتشف بكر في زيد حالات كذبه ، حيث يكون سمع منه بعض النقل الذي اكتشف بكرٌ كذبه ، فيحكم بضعفه ، فالاختلاف في التوثيق والتضعيف لا يساوق الحدسيّة لزوماً .