نعم ، يرتفع احتمال الحدسيّة عندما نعرف أنّ ما وصل للنجاشي والطوسي من المصادر والكتب كان متقارباً جداً ، وقد كانا رفيقي دراسة وتلمّذا معاً عند أساتذة مشتركين . وتشابُه كتابيهما يدلّ على مدى هذا التقارب في المعطيات والمصادر ، فهذا يرفع من احتمال أنّ مرجع اختلافهما ليس حسيّاً بل اجتهاديّ ، فأحدهما رجّح خبر التوثيق ، والآخر رجّح خبر التضعيف ، أو أحدهما نظر في مرويّات الراوي فضعّفه ؛ لأنّه رأى فيها ما يعتقده كذباً ، والآخر لم يحصل له ذلك ، لكنّ هذا يرفع احتمال الحدسية - كما قلنا - ولا يُلزم بها قهراً .
الشاهد الثاني : وجود المواقف المتعارضة عند الطبقة السابقة على طبقة القرن الخامس الهجري ، التي هي عصر النجاشي والمفيد والطوسي ، فنحن نجد أنّ الطبقات السابقة اختلفت - أحياناً - في الموقف من أحد الرواة ، فمن الطبيعي هنا أنّ النجاشي والطوسي ، سوف يمارسان اجتهاداً لتقديم وجهة نظر على أخرى ، فعندما يضعّف القميون يونس بن عبد الرحمن ثم يوثقه الطوسي ، فهذا معناه أنّه مارس اجتهاداً ؛ وعندما ننظر في محمد بن عيسى بن عبيد نجد النجاشي يصفه بأنه جليل في أصحابنا « 1 » ، بينما نجد أنّ الشيخ الطوسي يصفه بالضعيف « 2 » ، وعندما نتتبع كلامهما نجد بأنّ الشيخ الطوسي اعتمد في التضعيف على أنّ أبا جعفر محمد بن علي بن بابويه قد استثناه من رجال نوادر الحكمة ، فيما نجد النجاشي يعلّق على ذلك بأنّ الأصحاب ينكرون مقالة ابن بابويه التي ينقلها عن شيخه ابن الوليد ، فهذا كلّه إعمالٌ للاجتهاد ؛ فالطوسي أخذ بموقف ابن الوليد ، فيما رجّع النجاشي موقف الأصحاب ، ونحن في بعض الأبحاث قلنا بوثاقة محمد بن عيسى بن عبيد وفاقاً للنجاشي .
إنّ قيام النجاشي والطوسي بترجيح موقف على موقف ، يعني أنّهما مارسا اجتهاداً في هذا السياق .
هامش
( 1 ) رجال النجاشي : 333 .
( 2 ) الفهرست : 216 .