إنّ مجرّد حشد الأسماء وحشد أسماء الكتب لا يفيد هنا إلا بالنظر الدقيق في هذه الأسماء والكتب ، ليتبيّن أنّ أغلب من نقلوا عنه كان يعيش في القرنين الرابع والخامس الهجريّين ، فحاله حالهم في أنّه ولد بعد عصر النصّ إماميّاً ، والقليل جداً جداً منهم ممّن كان في عصر الحضور . بل لو لاحظنا لوجدنا أنّ نسبة اعتماد المتأخّرين على بعضهم عالية للغاية ؛ مما يدلّ على عدم وجود كتب كثيرة متقدّمة ، كاعتماد الطوسي على الكشي وعلى ابن النديم ، بل اعتماد أحدهما ( الطوسي والنجاشي ) على الآخر في احتمالٍ قويّ ، وهكذا .
خامساً : إنّ مسألة الشهرة والاستفاضة مسألة قد نقبل بها ، ففي بعض الأحيان يكون أمر رجلٍ مشهوراً واضحاً جليّاً ، لكن كم هو يا ترى عدد الرواة الذين يتّسمون بهذا الوصف ؟ هل يزيد يا تُرى عن الخمسين راوياً ، مع غضّ الطرف عن دخول المتأخّرين في السند مثل الشيخ الطوسي والكليني ؟ فهل يصحّ جعل هذا طريقاً رئيساً عندهم في تعاطيهم مع علم الرجال ؟
بل إنّ الشهرة اليوم لا يحرز كونها موجودة آنذاك ، فهناك رواةٌ كبار وردت فيهم روايات ذمّ ؛ ومع وجود هذه الروايات كيف نجزم بانعقاد شهرة آنذاك وأنّ الجميع رجّح الروايات المادحة ؟ ومجرّد أنّ الطوسي والنجاشي وثّقا زرارة لا يدلّ على شهرة من وثقاه في وثاقته .
إنّ الشهرة الموجودة اليوم تمثل نتاجاً لموقفي الطوسي والنجاشي ، فرأيهما في زرارة - مثلًا - مساعد على ولادة الإجماع أو الشهرة على توثيقه ، ونحن لا نملك إلا عدداً قليلًا من الرواة الذين يمكننا الزعم باشتهار وثاقتهم بين الشيعة ، كما في مثل أصحاب الإجماع ، فنحن في مثل هؤلاء لدينا نصوص تخبر عن الاشتهار القديم بين الشيعة حول وثاقتهم وجلالتهم ، كما جاء في مثل نصّ الكشي حول أصحاب الإجماع ، أما سائر الرواة - لا سيما الموثقين بالتوثيقات العامة - فغالبيّتهم الساحقة مما يصعب تحصيل وثائق يُركن إليها تؤكّد اشتهار وثاقتهم بين الشيعة قبل عصر الطوسي والنجاشي ، وبالأخصّ من لم ينصّ الطوسي والنجاشي معاً على توثيقه . فدعوى التواتر والاستفاضة غير واضحة بهذه الكثرة .
منطق النقد السندي (بحوث في قواعد الرجال والجرح والتعديل) — صفحة 120
مساهمون: حيدر حب الله
ص١٢٠