وُلِد في هذا القرن وتوفي في القرن الخامس الهجري ، الأمر الذي يعزّز أنّ مقصوده من قديم الأيّام القرن الثالث الهجري في الحدّ الأدنى .
لكن لو تخطّينا هذه الإشكاليّة نسأل : هل نصّ الشيخ الطوسي في العدّة يؤكّد أنّ هذه التقويمات الرجاليّة كانت تقوم في الغالب على الحسّ ؟ وهل نصّ الطوسي والنجاشي في مقدّمة كتاب الفهرست وأوّل الجزء الثاني من رجال النجاشي يؤكّد أنّ ما نقلاه هو تقويمات حسيّة للرجاليّين السابقين بالضرورة أو أنّه من الممكن جداً أن تكون حدسيّةً ، بحيث لا يكون نفي الحسيّة في نقل الطوسي والنجاشي مساوقاً لحسيّة الشهادة الرجاليّة الأصل التي نقلها عن أصحابها ، خاصّة ونحن لا نعرف أصحابها ، وفي أيّ زمن كانوا ؟ وهل كانوا معاصرين لكلّ من وثقوهم أو ضعّفوهم ؟ وهل كانت بينهم وبين كلّ الرواة الذين عاصروهم ووثقوهم ملاقاةٌ أو لا ؟
وبعبارة أخرى : هل قول الطوسي بأنّ الطائفة ميّزت الثقات والضعفاء يعني بالضرورة أنّ هذا التمييز قد قام على أساس الحسّ ؟ ألا يمكن أن تكون الطائفة - في نسبة كبيرة من نشاطها - قد مارست هذا التمييز وفقاً لجهود اجتهاديّة من قبل العلماء منذ القرن الثالث الهجري ؟ وهو القرن الذي يبدأ فيه الحديث عن وجود أوائل التصنيفات الرجاليّة التي لم يصلنا أغلبها ، مثل كتاب الرجال للكناني ( 219 ه - ) ، وكتاب الرجال لعلي بن فضال الكوفي ( 224 ه - ) ، وكتاب الرجال للحسن بن علي بن فضال الكوفي ( ق 3 ه - ) ، وكتاب الرجال للفضل بن شاذان ( 254 أو 260 ه - ) ، وكتاب الرجال للبرقي ( ق 3 ه - ) ، وكتاب تاريخ الرجال للعقيقي ( 280 ه - ) ، وكتاب رجال الشيعة لعليّ الأنباري ( ق 3 ه - ) ، وكتاب الرجال لإبراهيم الثقفي الكوفي ( 283 ه - ) وغير ذلك .
ما هو المانع أن يكون رجاليّو هذه الفترة قد مارسوا - ولو في الجملة - نشاطاً اجتهاديّاً في التمييز بين الرواة الذين يرجعون للقرن الأوّل والثاني الهجريّين ، ومع ذلك يصدق عنوان أنّ الطائفة قد ميّزت وفصلت ؟ فأصل التمييز لا يرادف الحسيّة ، بل هو قابل للاجتماع مع الحدسيّة ، فلا يكون نصّ العدّة وأمثاله دليلًا قاطعاً على أنّ الجيل السابق
منطق النقد السندي (بحوث في قواعد الرجال والجرح والتعديل) — صفحة 117
مساهمون: حيدر حب الله
ص١١٧