حدّ ما ، فمثلا يمارسه المتشدّدون ويمارسه المتعقلون ، ويمارسه السنّة ويمارسه الشيعة ، ومن المعروف أن لكل حالة خصوصياتها وربما طبيعة جمهورها الذي يفرض درجةً من الهبوط أو الارتفاع في مستوى الحديث ، فهل تعتقدون أن معيار الحكم على هذه المصاديق المتعددة يتم بنفس الموازين ؟
* أعتقد أنكم في هذا السؤال تفسّرون الخطاب بمعنى الأدوات اللسانية للتواصل ، أي الخطاب التواصلي ، على أية حال ، بالنسبة إلى سؤالكم هذا أعتقد أن من الخطأ الحكم على أنواع الخطاب التواصلي بمعايير واحدة مطلقاً ، فهناك خطاب للنخبة له خصوصياته وسماته التي تميّزه عن خطاب غيرهم ، هناك خطاب لعموم الناس ، وهناك خطاب لعلماء الدين أنفسهم . . لا يمكن التعامل بآلية واحدة ، وإن كانت هناك مشتركات ، وفي هذا الصدد يمكن التركيز على نقاط :
أولًا : وعي المخاطب ، فواحدة من مشكلات الخطاب الإسلامي التواصلي في بعض مواقعه أنه لا يعرف أولئك الذين يخاطبهم ، خذ عنصر الشباب مثلًا تجد أن الكثيرين لا يفهمون الشاب من موقعه وفي ظرفه ، ويريدون أن يتعاملوا معه منفصلًا عن عنصره الشبابي ، هكذا الحال في خطاب بعض النخب ، فبعض العلماء يظنّ أن الإتيان برواية صحيحة السند يمكنه أن يحسم موقفاً ما في حوارٍ مع بعض الشرائح النخبوية ، والحال أن معايير تصويب الأفكار وتخطئتها عند هذه النخبة لا تمتّ بأيّ صلة إلى مثل هذا المعيار الروائي ، الذي يملك مرجعيته في داخل مناخ فكري خاص ، حتى لو اعتبرناه في النهاية صائباً من حيث الحقيقة ونفس الأمر .
ثانياً : يواجه الخطاب الإسلامي في بعض أشكاله معضلة النخبوية المفرطة ، سيما في الأوساط الثقافية الجديدة ، ليست النخبوية عاراً ، لكن الاستغراق فيها من جانب تيار بأكمله يمكنه أن يعيق قدرة التواصل مع القواعد الشعبية ، فتيار التحديث الإسلامي عانى في بعض أشكاله من هذه المشكلة ، ولذلك خسر مواقعه على المستوى الجماهيري ، واستلمت الأمور - بدلًا عنه -
مسألة المنهج في الفكر الديني — صفحة 453
مساهمون: حيدر حب الله
ص٤٥٣