اليقيني الموجود عموماً في الدراسات التاريخية ، ذلك أنّ المؤرخ يقول : هذا ما وصلني ، لا هذا ما كان . . أمكن حينئذ الحديث عن علاقة معرفية بين هذين الموضوعين ، وصار من المنطقي تحكيم العقدي في التاريخي عندما نريد الخروج بقناعة نهائية تخصّنا نحن كأشخاص ، ولو لم تكن تعنينا كمؤرخين ، وهذا هو الفصل الهامّ بين الشخصيات العلمية للباحث ، وعلى أساس هذا الفصل يمكن حل الإشكاليات المثارة هنا .
وهكذا على الخط الآخر ، فإذا تراكمت معطيات تاريخية كثيرة جداً لصالح عكس النتيجة العقائدية ، أدى ذلك - علمياً - إلى التأثير في النتيجة ، لتدفع المتكلم إلى إعادة النظر فيما بيديه ، أي أن التاريخيات جزءٌ من أدوات البحث عند المتكلم في بعض الموضوعات ، وأيّ ضير في أن يتعامل الباحث مع دليل أو أداة بعيداً عن بقية الأدلة والأدوات ، ويعمل في نهاية المطاف على التوفيق بين الأدلة محترماً إياها دون أن يسنّن لأولوية شاملة للعقدي على التاريخي أو العكس .
وهذه العملية ، إنما تصل النوبة إليها لا انطلاقاً من البعد التاريخي أو العقائدي ، بل هي عملية لاحقة يُعنى بها الباحث لنفسه ، وبالتالي فمن الضروري أن نقدر على القول بأنني كمؤرخ أرى كذا وكذا ، ولكنني كإنسان له آراؤه الشاملة المتصلة بأكثر من بُعد فكري لي الرأي الآخر .
وأساس مقولتنا هذه يعتمد على التعامل مع العلوم ، لا مع الواقع ، والوصول إلى مرحلة الواقع إنما يكون في نهاية المطاف .
واستنتاجاً ممّا تقدم ، يصح لنا القول بخطأ عمليات الإسقاط المنظّمة على التاريخ ، حتى ليبدو البحث التاريخي بلا حرمة أو مكانة ، كما أن عمليات الإقصاء المتعمّدة للعقديات عن مجال العلوم الإنسانية كلّها بما فيها التاريخ ، يمكن الموافقة عليها عندما يراد الخروج باستنتاج يخصّ تلك العلوم ، دون ادعاء أنه النتيجة النهائية على صعيد الواقع ؛ لأن نتيجةً كهذه تستدعي استحضار كلّ المعطيات العلميّة - مهما كان انتماؤها - في مادة البحث ، وما
مسألة المنهج في الفكر الديني — صفحة 379
مساهمون: حيدر حب الله
ص٣٧٩