تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مسألة المنهج في الفكر الديني — صفحة 376

مساهمون:

ص٣٧٦
وهذه المعادلة التي تحكم علاقة العلوم والمعارف ببعضها ، تؤكّد أن العلماء الذين نظروا في فلسفة العلم - ولو قبل ظهور هذا المصطلح - نجحوا في المحافظة على فرز العلوم عن بعضها ، دون أن يحدثوا قطيعة ، واستطاعوا في النهاية أن يجمعوا بين فكرة أو قضية تنتمي إلى علم ما ، واستحضار القضية نفسها في علمٍ آخر بغرض توظيفها . هذا هو بالضبط ما نلاحظه في قضية العقدي والتاريخي ، فوفقاً للمحدِّد الموضوعي المجعول في علم العقيدة ، يصار إلى إدراج كل مسألة في هذا العلم فقط عندما تدخل دائرة الاعتقاد ، وتنتمي إلى مجال « عقد القلب » ، بعيداً عن الدخول في جدلٍ حول هذا الأمر فعلًا ، فالتوحيد قضية عقدية ، بمعنى أنها قضية تدخل مجال عقد القلب عليها إذا ما ثبتت ، فيصبح الآخذ بنظرية التوحيد - في الرؤية الإسلامية للموضوع - ملزماً بالاعتقاد بهذه النظرية ودمج نفسه في سياقها ، وهذا معناه أن أي قضية لا دليل - يكفي عدم الدليل - على اندراجها ضمن محور عقد القلب وتحصيل المعرفة ، طبعاً بالمعنى الديني لعقد القلب ، فإن ذلك سوف يخرجها عن الدائرة العقائدية ، حتى لو بحثها علماء الكلام في دراساتهم . وهذا معناه الخروج بنتيجتين : الأولى : إن المجال العقدي لا تحدّده المسيرة التاريخية لعلم الكلام ، بقدر ما تحدّده نظرية كل متكلّم في تحديد موضوعة العقيدة . وتأكيداً على ذلك ، لا يمثل الوجود التاريخي الممتدّ لعلم الكلام المدوّن أية حجة ملزمة للمتكلّم الذي قدّم نظريته الخاصة بالموضوع العقدي ، ويشهد على ذلك ، مسيرة العلوم الإسلامية بأغلبها ، حيث وقع التمازج تاريخياً بين هذه العلوم ، سيما علم الكلام الذي شهد تطوّرات بارزة قبل وبعد القرن الخامس الهجري ، فقد اختلطت موضوعات تنتمي إلى علم الفلسفة بعلم الكلام ، وكانت موضوعات فقهية جزءاً من الكلام في بعض الحقب الزمنية ، وهكذا اختلط علم أصول الفقه بعلم الكلام وكذلك بالفلسفة والمنطق ، كما
مسألة المنهج في الفكر الديني — صفحة 376 | حيدر حب الله