تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مسألة المنهج في الفكر الديني — صفحة 375

مساهمون:

ص٣٧٥
إشكالية العقدي والتاريخي ، وتأخذ هذه الإشكالية في مدياتها أكثر من بُعد مثيرة أكثر من سؤال وخالقةً أكثر من عقبة . أوّل سؤال تثيره هذه الجدلية سؤال موضوعي ، أي أنه يعالج الموضوع المدروس ، هل يمكن أن يكون موضوع واحد تاريخياً وعقائدياً ، هل أن النتيجة التاريخية سوف تزوّدنا بمعطى عقائدي أو هل ستكون بنفسها موضوعةً عقائدية ؟ يبدو أن مجال الترديد محدود ، فبالتأكيد هناك امتزاج كبير في الفكر الديني بين العقديات والتاريخ ، فالاعتقاد بالأنبياء السابقين عليهم السلام إنما هو نتاج تاريخي أحياناً كثيرة - بقطع النظر عن القرآن - والاعتقاد ببعض الموضوعات العقائدية الفرعية عندما يقرّر أن أساس الاعتقاد بها هو النصّ سيكون بالتأكيد متزاوجاً والإثبات التاريخي . لكنّ هذا لا يعني إقحام الموضوعات التاريخية كلّها في العقديات حتى لو كانت نتائج البحث التاريخي تصبّ لصالح معتقدٍ ما أو مذهب معين ؛ لأن مجرّد إمكانية توظيف معطى تاريخي في مجال عقائدي لا يعني أن هذا المعطى تحوّل بنفسه إلى قضية عقائدية ، ليستتبع ذلك التعامل معه بوصفه أمراً اعتقادياً له آثاره ومستلزماته ؛ والدليل على هذا الأمر هو القراءة المنطقية لتقسيمات العلوم ، فمنذ قديم الأيام وضع علماء المنطق والفلسفة قانوناً لاحظوه لدى قراءتهم الواقع العلمي البشري ، ويقضي هذا القانون بوجود علاقة تقدّم وتأخّر بين العلوم البشرية ، وقد دفعهم هذا الاعتقاد إلى اعتبار بعض العلوم ما أسموه مبادئ تصوّرية أو تصديقية لعلوم أخرى ، أو على الأقل كانت جملةٌ من مسائل هذا العلم بمثابة مبادئ تصوّرية أو تصديقية في العلم الآخر ، وقد استفادوا من هذا التفريع أن هذه المبادئ تعبّر عن أصول موضوعة - بحسب الاصطلاح المنطقي - لقضايا العلم الآخر ، وفائدة ذلك عندهم أن توكل مهمة البحث عن الأصول الموضوعة إلى العلم الأسبق ، من هنا اعتبروا علم الفلسفة أسبق العلوم .
مسألة المنهج في الفكر الديني — صفحة 375 | حيدر حب الله