تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مسألة المنهج في الفكر الديني — صفحة 370

مساهمون:

ص٣٧٠
2 - الميدان القومي : فبعد تنامي النزعات القومية في العالم الإسلامي ، ظهرت إلى السطح تحيزات قومية واضحة : تركية ، فارسية ، عربية ، فأخضعت التاريخ لتلاعب حاول كل طرفٍ فيه كسب كل امتيازات الأمة لنفسه ، وكأن الآخرين لم يجرّو على هذه الأمة سوى الويلات . ومع انحسار التصادم هذا بين التركي وغيره ، بقي الثنائي العربي - الفارسي على حاله ، وهو ما نلاحظ تنامياً سلبياً فيه في الفترة الأخيرة ، الأمر الذي يجرّ على المسيرة كلّها وعلى المسيرة التاريخية بالأخص مشكلات عويصة وجذرية ، ومع ذهاب تيّار - داخل الوسط الشيعي - إلى القول بأن كل ما عند الشيعة إنما هو نتاج جهود العلماء الإيرانيين ، وأن الإيرانيين هم الذين صنعوا التاريخ الإسلامي والحاضر كذلك ، أفرط طرف آخر إلى حدّ القول - مستعينين بأطروحة التشيع العلوي والتشيع الصفوي التي أطلقها الدكتور علي شريعتي - بأنّ كل العاهات الفكرية والشعائرية والسلوكية إنما جاءت من الجانب الإيراني ، وأن الخليط الباطني العرفاني الصوفي الذي مسخ الوضوح الإسلامي انما أتى من تلك الجهة الشرقية . إن هذه العقليات الإفراطية التي تنطلق من عقد الواقع المرحلية لا تخدم الأهداف العلمية الكبيرة سيما منها التاريخ ، لأن هذه الصور الإطلاقية هي - بالتأكيد - صور خاطئة ، ولا تتعامل مع أحداث التاريخ بصورة متوازنة وأمينة . 3 - الميدان الحضاري : وقد أشرنا إلى أنموذجه في المثال الثاني السالف ، حيث مورست إسقاطات - بدت أحياناً فاضحة - على قراءة التاريخ الإسلامي من الطرف الغربي ، وفي المقابل أبدى تيّار كبير من الدارسين الشرقيين تطرّفاً وتطويعاً للتاريخ لدى دراسته إيّاه غربياً ، محكوماً لصراعات سياسية معاصرة . المطلوب على الصعيد العلمي - وعلى مستوى البحث التاريخي بالخصوص - تجاوزٌ للأطر المذهبية والقومية والحضارية ، ودراسة تتعالى عن إسقاط الأفكار الشخصية على المادة التاريخية ، لتقديم قراءات تاريخية لا تحكمها إلا المعطيات الممنهجة والمنضبطة .