تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مسألة المنهج في الفكر الديني — صفحة 368

مساهمون:

ص٣٦٨
تثقل كاهله تأثيراته النفسية والباطنية ، وهو أمر أكثر ما يظهر في الدين والسياسة ، وهذا يعني أيضاً أن المعاصرة للحدث ليست دائماً عنصراً إيجابياً لا سلبية فيه ، كما أنها ليست سلباً لا إيجاب فيه إطلاقاً . ويمكن أن نذكر هنا مثالين بسيطين ؛ لتأكيد هذه النقطة ، ألا وهما : المثال الأول : لقد جرى تقديم صورة تاريخية مذهلة لهتلر سيما فيما يتعلّق بتعذيب اليهود ، وهي صورة تاريخية تمّ تدوينها على يد المنتصر تحت الضغط النفسي في الغرب المنفعل والمرعوب من الأداء الهتلري ، وهو أمرٌ - شئنا لم أبينا - يترك بصماته على المؤرخ نفسه بدرجة من الدرجات ؛ لأن هذا المؤرخ إنسان من البشر يعيش في البقعة التي يريد أن يؤرّخ لأحداثها ، ومن الطبيعي أن تكون له مواقفه إزاء هذه الأحداث ، إنتماءاته وولاءاته الخاصة ، ميوله وطبعه النفسي الذي يتفاعل مع هذا الأداء أو لا يتفاعل . . وهذا يعني أنه - غالباً - مبتلى بالأثقال النفسية والمواقف الشخصية التي يتخذها أو يؤمن بها أمام ما يؤرّخ له . . وهو أمرٌ لا علاقة له بالأمانة أو الخيانة العلمية دائماً بقدر ما يرتبط بنظم طبيعي للنفس البشرية يصعب تجاوزه بالمطلق ، وقد لاحظنا أنه وبمرور الزمن وزوال ذاك الإسقاط على الظاهرة التاريخية وهدوء التوترات النفسية والاجتماعية وتداعياتها القريبة والبعيدة إلى حدّ ما . . لاحظنا أنه قد جرت إعادة قراءة للحدث ، فظهرت من جديد الشكوك بالكثير مما سجّلته اليد المؤرّخة عن تلك الحقبة الزمنية المرّة من تاريخ الإنسانية « 1 » . المثال الثاني : لقد قام المؤرّخ الغربي - محملًا بتصوراته المسبقة - بتأريخ ودراسة العالم الإسلامي سيما في القرون الأخيرة ، وهو تأريخ مصطبغ أحياناً
هامش
( 1 ) ولعلّ من أه - م وأشهر هذه التشكيكات ما كتبه المفكر الفرنسي المسلم روجيه غارودي ، في كتابه « الأساطير المؤسّسة لدولة إسرائيل » ، كما كانت هناك تشكيكات من بحّاثين تاريخيين آخرين ، بعضهم من الولايات المتحدة الأميركية نفسها .
مسألة المنهج في الفكر الديني — صفحة 368 | حيدر حب الله