الواقع الذي حصل .
وبعبارةٍ أخرى : يرشد ما تقدم إلى ضرورة دمج المؤرّخ والدارس في شخصية علمية واحدة ؛ لأن الحديث عن مؤرخٍ غير دارس وعن دارسٍ غير مؤرخٍ يمكنه - إذا استمر - أن يخلق مشكلات عديدة تقدّم بعضها ، لكن هذا الدمج لا يعني تحويل النقل التاريخي إلى جهد مزدوج من النقل المجرّد والتحليل المعمّق ؛ لأن هذا من شأنه أن يحدث اختلاطاً بين ما يمارسه المؤرّخ بوصفه مخبراً وبين ما يمارسه باعتباره محلّلًا ، فتمتزج النقولات بالتصوّرات ، وفي هذا ما فيه من أضرارٍ على الحقيقة التاريخية .
وكأنموذج حاصل في أوساط البحث الديني المدرسي ، الاختلاف الموجود ما بين الشيخ أبي جعفر محمد بن الحسن الطوسي ( 460 ه - ) والشيخ أبي العباس النجاشي ( 450 ه - ) ، وهما من أكبر علماء الرجال عند الشيعة ، فقد بذلت جهود بحثيّة واضحة من الطبقات اللاحقة من العلماء لحلّ ما يمكن تسميته : عقدة التضارب الموجودة أحياناً بينهما في توثيق الرجال أو تسجيل أية معلومات أخرى عن الرواة ، وقد اعتُبرت الدقة والمنهج والاطلاع الواسع - وهي سمات حظي بها النجاشي في دراساته الرجالية - اعتبرت عناصر قوّة ، دفعت جملة من العلماء لتقديم كلام النجاشي على الطوسي عند التعارض ، وهكذا الحال مع تحفّظ بعض العلماء من المواقف الرجالية التي كان يتخذها الشيخ الصدوق ( 381 ه - ) ، وهو أحد أهم رجال الحديث عند الشيعة ، حيث سجّلت ملاحظة منهجية تتصل بعدم وجود منهج علمي خاصّ بالشيخ الصدوق ، وأن هذا العالم كان مجرّد مقلّد في الشؤون الرجالية لشيخه ابن الوليد . . إلى غير ذلك من نماذج كثيرة حتى في الوسط المدرسي تؤكد أن عنصر المنهج ذو دور فعّال في التقييم التاريخي .
ما نريد الخروج به هنا هو :
أولًا : يجب أن يؤخذ بعين الاعتبار العنصر المنهجي لدى المؤرخ الذي نستقي منه مصادر دراستنا ، فمجرّد أنه قريب من عصر الحدث ، ينقل لنا
مسألة المنهج في الفكر الديني — صفحة 366
مساهمون: حيدر حب الله
ص٣٦٦