المطلوب قراءة شمولية للتاريخ - كما التراث كله - من جهة ، ومعالجات محايدة من جهة أخرى ، لم يعد يجذب ذاك المؤرّخ الذي يرسم تأريخه على صفحات كتابه الأولى ، ليرى القارئ أنه حدّد مسار تأريخه أو دراسته سلفاً ، الأمر الذي بات يفقد العقليات الجديدة ثقتها بالنتائج .
وانطلاقاً من هذه الأسباب وغيرها ، يجدر بنا تفهّم ظاهرة الشك المعاصرة ، والتعامل معها بروح أبوية ، كما واعترافاً بما تقدّم ، يتم الميل أكثر فأكثر إلى الإقرار بضرورة إعادة قراءة التاريخ الإسلامي ، لكن مع حذر هذه المرّة من الانطلاق من عُقد أو تصفية حساب .
إن موجة الإطاحة بالتاريخيات الدينية ، تحت ستار التجديد والقراءة الجديدة ، وبطريقة عسفية أحياناً ، لا تصلح الأمور بقدر ما تزيد في تعقيدها ، من هنا ؛ كان المطلوب إحلال الاستقرار النفسي للباحثين ، وإزالة أسباب التوتّر المضرّ بموضوعية البحث التاريخي ، مع الإقرار بأن حالةً كهذه ، على رفضها من الزاوية المنهجية والقيمية معاً ، مترقّبة من الزاوية السيسيولوجية بشكل لا يجدر بنا استغرابه واستهجانه .
مشكلة التأريخ ، المعاصرة أو المنهج ؟
يقف التاريخ - بوصفه واقعاً علمياً - دائماً بين مطرقة دارسيه وسندان المدوّنين والمؤرخين ، ويبدو أن قدر هذا العلم سيبقى كذلك ؛ فالدارسون للتاريخ والباحثون حوله مهما أصابوا في تقييمهم لكنهم على أيّ تقدير لا يمكنهم معايشته ، فالحياة التاريخية ليست أمراً سهلًا لمن ماتت في زمنه تلك الحياة ، وهو مجبور اليوم على التعامل بمنطق « هذا ما وصلني » أكثر من منطق « هذا ما كان » ، إذا أراد أن يتحدّث عن التاريخ برؤيةٍ مشرفة ومتزنة ، وأما المدوّنون والمؤرّخون المعاصرون لهذا التاريخ فإنهم مشمولون للطبيعة الإنسانية القائمة على النقص ، لا أقل أنهم لا يدركون دائماً أهمية الوقائع التي يعيشونها بالنسبة للأجيال اللاحقة فيغفلون عن كمياتٍ من المعلومات ضخمة ، لأنهم لا