تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مسألة المنهج في الفكر الديني — صفحة 362

مساهمون:

ص٣٦٢
الموضوعات يعود آخر بحثٍ جادّ فيه إلى عدة قرون ، وهذا معناه أن قوّة البرهنة الموجودة فيه قد خمدت ؛ لأن القارئ الجديد للتاريخ محمّل بكمّ كبير من تطوّرات البحث التاريخي المعاصر ، فعندما يرجع قروناً إلى الوراء نتيجة عدم تواصل البحث واستمراره اتكالًا على جهود من سلف ، فسوف يشعر - طبيعةً - بالفارق الكبير وستبدو أمامه العديد من الجهود هزيلة أمام تراكمات التطوّرات المعرفية ، الأمر الذي سيجعل هدم بعض الأفكار سهلًا عنده ، وسيبعث عنده الشك في الباقي . المطلوب استبعاد هذا العقل المستقيل ، والإحساس العميق بأن حركة العلم والبحث لا تتوقف أبداً ، والأهم الإقرار بأن التحوّلات المنهجية والانقلابات الكيفية والقفزات النوعيّة في العلوم تستدعي معها إعادة قراءة الموضوعات السالفة ، وفق المنهجية الجديدة ، وأن الاتكال على جهود من سبق ، أمر قد تتمّ الموافقة عليه في غير حالة التحوّل المنهجي العام . من هنا ؛ نتوقّف قليلًا عند مقولة « الثوابت » التي يفترض إنشاء البحث عليها ، ولا بد من الانتباه إلى أن هذه المقولة التي تحيل إعادة النظر في الثوابت نفسها ، لا تجدي في حالات التحوّل المنهجي ؛ لأن حدوث نقلات منهجية كبيرة وقفزات كيفية حادّة يلغي - منهجياً - ما نسميّه نحن « ثوابت » ، لأن الثابت ليس سوى معطيات قريبة جداً للمنهج ، بمعنى أنها لا تفترض امتداداً استدلالياً يبعث على الشك في إحدى فقرات الدليل ، فكلّما كانت الفكرة أقرب إلى اختزال الاستدلال في المنهج كانت أقرب إلى أن تتحوّل إلى ثابت ، كما أن تراكم الاعتراف بقضية ما تراكماً زمنياً يفضي هو الآخر إلى تحوّل موضوعةٍ ما إلى ثابت ، وعندما يحصل الانقلاب المنهجي يختل كلا هذين الميزانين ؛ ذلك أنّ المنهج نفسه قد خضع لتحوّل ومن ثم لم يعد يمثّل في صورته القديمة أي معيار ليكون الاختزال والوضوح في المقدمات والتركيب عاملًا مساعداً على دخول القضية مجال الثابت ، فعندما يتحوّل المنهج تفقد آليات الاستدلال السابقة هيبتها أو تخسر قسماً كبيراً منها ، وعندما يكون الوضوح في النتيجة
مسألة المنهج في الفكر الديني — صفحة 362 | حيدر حب الله