أ - إشكالية الخطاب الدوغمائي : فقد قدّم التيار المدرسي خطاباً جزمياً قطعياً حول طائفة كبيرة من أحداث التاريخ ، وسيق هذا الخطاب ضمن أطر نهائية ناجزة ، فقد شعرت القاعدة بأن موضوعات كثيرة محكومة بالبداهة ؛ لأن الخطاب النمطي الدوغمائي قدّم تصوّرات كثيرة عن التاريخ بهذه الصورة ، وعندما جرت مناقشة بعض هذه التصوّرات ، وتمّ تفنيد جملةٍ منها ، ارتد ذلك ارتكاساً في كل الثقة المحمولة عن التاريخ ، وشاعت نتيجة ذلك موجات الشك ؛ لأن العقل الإنساني - كما حصل غربياً في عصر النهضة وما بعده - فقد ثقته بالتصوّرات الموروثة عندما انكشف له زيف قضايا قدّمت له بوصفها قطعيات جازمة لا مجال للشك فيها ، ولمّا وجدها هزيلةً فَقَدَ اعتماده بما تبقّى .
هذا الخطاب الملئ بالدوغمة ، كان سبباً في ردّة الفعل السلبية هذه ، ونحن وإن كنّا لا نحصر هذه العاهة بالمجال التاريخي ، لكننا نرى التاريخ - علمياً - أبعد من غيره كالفلسفة والكلام والأصول ، عن هذا النوع من الخطاب .
المطلوب اليوم عموماً ، وفي النطاق التاريخي خصوصاً ، خطاب علمي منفتح يثبت أمراً دون أن يُشبع إثباتاته بجزم تعسّفي أو يسدّ الباب على إثارة احتمالات أو تصوّرات متعدّدة ، وعبر هذه الطريقة يمكن تخفيف ردّات الفعل السلبية إلى حدٍّ ما .
ب - إشكالية العقل المستقيل : فقد سيطرت إلى حدّ معين ، ظاهرة العقل المستريح المتكل على جهود من سلف ، مضفيةً طابعاً أسطورياً أحياناً على الشخصيات والتجارب السالفة ، فالتساهل في معالجة الكثير جداً من الموضوعات اتكالًا على وضوحها والفراغ منها ، وتغاضياً عن التحوّلات المنهجية والانقلابات الكيفية في آليات البحث التاريخي المعاصر . . ذلك كلّه راكم من حجم الموضوعات التاريخية المغفلة على صعيد البحث الجاد ، وعندما أريد من جديد تجديد النظر في هذه الموضوعات تبدّت العيوب الطبيعية ؛ لأن بعض هذه
مسألة المنهج في الفكر الديني — صفحة 361
مساهمون: حيدر حب الله
ص٣٦١