الماضي السحيق ، إن الإمام عليه السلام لم يكن قادراً على الحضور في أوساط أفراد شيعته على الدوام وباستمرار - وهم مترامون في أطراف الدولة الإسلامية العملاقة - لبلورة شخصياتهم الاجتماعية ، كما تفعله وسائل الاتصال العملاقة اليوم التي تُعدِم الفواصل وتصنع عصر العولمة ، وهذا معناه أن الكيان المذهبي لا ينبغي تصوّره كتلة منصهرة ذات لون واحد ، ولا أيّ كيان آخر ، وعملية الاشتراك في اللون إنما تكون في بعض الخيوط التي غالباً ما يمكن أن نعرفها مباشرة من النص ونحوه ، فالمظاهر الاجتماعية ليس ما يؤكّد انتسابها للمعصوم عليه السلام إذا مارسنا تحليلًا اجتماعياً وتاريخياً لها .
نعم ، تبقى المظاهر العبادية أكثر قرباً لفكرة السيرة من غيرها ، كما تبقى بعض الموارد التي لا ننفيها وإنما نقصد إعطاءها حجمها الطبيعي ، لأننا نلاحظ سعةً في الاستدلال بالسيرة قد لا تكون أكثر مواردها مقبولة ، وفقاً للملاحظتين السالفتين .
ومن مجموع الإشكاليتين السالفتين ، يبدو أن فكرة السيرة التي حاول الشهيد محمد باقر الصدر إعطاءها - أصولياً - حجماً كبيراً « 1 » ، غير قادرة على تلبية الكثير من الحاجات الاجتهادية من الزاوية الميدانية ، إذا ما وعينا طبيعة تكوّن الظواهر الاجتماعية ، وأن تأثير الزعماء الدينيين وغيرهم له مجاله الخاص الذي لا يمكن توسعته أكثر من مداه اللازم ، رغم الإقرار الكامل به .
نظرية خبر الواحد والحاجة إلى آليات موضوعية
لا يرتاب - فيما يبدو - باحث في أن نظرية خبر الواحد تعدّ أضخم
هامش
( 1 ) أهم أصولي شيعي - فيما نعلم - أفاض في دراسة نظرية السيرة هو السيد محمد باقر الصدر ، انظر : بحوث في علم الأصول 4 : 233 - 248 ؛ ومباحث الأصول 2 : 93 - 134 .