علوم الاجتهاد والاستنباط الإسلامي - لا يمكنه دائماً تجاهل الوضع الميداني لنظريّاته ، وإن كنا نوافق على أنه غير ملزم دائماً بملاحقة الوضع الميداني الذي قد ينتمي إلى دائرة الفقه تارةً ، والحديث أخرى ، والكلام ثالثة و . . لكن مبدأ أن يُعنى الأصولي بآليّات ميدانيّة لنظريّاته وبتداعيات نظريّاته ميدانيّاً - سيّما التداعيات التي يكثر وقوعهاهو مبدأ أصيل وسليم ، وإلا فإننا سوف نتورّط حينئذٍ بعمليّة تجريد لعلم الأصول وخلع لباس النظرية والتجريدية عليه ، وهي مشكلة ما يزال يعاني منها حتى اليوم .
ومن هذا المنطلق أدرجنا هذه الإشكاليّات الميدانية في الاهتمام الأصولي ، تماماً كإدراجنا بعض الإشكاليّات التي تواجهها السيرة المتشرّعية ، كما سيأتي إن شاء الله تعالى .
السيرة المتشرّعية وتحليل الظواهر الاجتماعيّة
تعني فكرة سيرة المتشرّعة التي ازداد رواجها في الفقه وأصوله في القرنين الأخيرين ، أن سلوك المتشرّعة المؤمنين المعاصرين لزمن النص يشكّل بتراكمه كاشفاً ودالًا على وجود موقف شرعي ، مطابق ومماهي للموقف الذي يسلكه المتشرّعة ، وتعدّ سيرة المتشرّعة - عادةً - دليلًا مفيداً للعلم واليقين أو لا أقل للاطمئنان النوعي على الحكم الشرعي مما يدخلها في وسائل الإثبات الوجداني .
وتشبه فكرة سيرة المتشرعة في أصول الفقه فكرة عمل أهل المدينة في أصول الفقه المالكي ، لهذا تشترك النظريتان في بعض الملاحظات القادمة .
لكن أكبر إشكاليّتين تواجههما هذه السيرة هما :
1 - إشكالية الاتصال : فإن تحديد وجود سيرة متشرّعية معاصرة للنص قد لا يكون سهلًا ، فيضطر الفقيه إلى محاولة خلع محيطه الديني على المحيط الديني المعاصر للنص ، فهو يرى مجموعة سلوكيات أو ظواهر اجتماعية في المحيط الديني فيسحبها على الواقع التاريخي ، عازلًا الفواصل الزمنية .