وبلوغ درجة اليقين ، سيّما وأنّ احتمال قصد الرواة تعمّد الكذب أو وقوعهم في الخطأ في هذا العنصر المستكنّ وإخفائهم جميعاً هذا العنصر تحت ستار موضوعات صريحة مختلفة جداً هو احتمالٌ بعيدٌ للغاية ، وفقاً للنظم الرياضية .
وبهذا يظهر أن نظرية الإجماع في الفكر الأصولي تنتمي - مع نظريّة التواتر في بعض أبعادها - إلى مناخ خاص من الوعي والثقافة ، وأن استبدال هذا المناخ يسحب بساط الشرعية من تحت هذه النظرية الأصولية الهامة ميدانياً ، ولا نقول : في الحالات كافّة ؛ حتى لا نكون جزميين ، بل في الأغلبية الساحقة .
من هنا ، يطالب علم أصول الفقه ، أو فلنقل : العلوم الإسلامية المعنية بالاجتهاد ، بالمساهمة في خلق مناخات مدروسة وليست نفسية عفوية ، وذلك بهدف تكوين نظرية الإثبات على ضوئها ، إنّ هذه نقطة هامة وحسّاسة للغاية ، وما لم يلاحظ الدرس الأصولي هذا التحوّل المناخي فإن نظريات الإثبات لن تجدي نفعاً في تحصيل اليقين العلمي ، وسيغدو علم الأصول مؤسّساً لنظريات إثباتية تنتمي إلى مناخات قد يدّعي بعضهم أنها فقدت وجودها على الساحة العلمية .
ولا نستهدف عملية إلغاء وإقصاء بقدر ما نطالب الدرس الأصولي بالتفكير الجادّ في هذا الأمر لدفع عملية الاجتهاد للفعالية والنشاط في ظلّ - على الأقل - أكثر من مناخ ثقافي ومعرفي ، تماماً كما درس الأصوليّون لأكثر من قرنين من الزمن نظرية الانسداد رغم اتفاقهم على بطلانها ، لكن العادة الأصولية - وهي عادة علمية ومنطقية ومنصفة - قضت بملاحقة نتائج نظريات لمعرفة مدياتها حتى لو لم يحصل اعتقاد بالنظرية / المبدأ نفسها .
ولا يفوتنا التذكير بأن ما قلناه عن الإجماع والتواتر ينسحب على نظرية الشهرة عندما يراد اعتبارها دليلًا منطقياً مفيداً لليقين الوجداني ، وكذلك نظرية السيرة المتشرّعية ، وسنّة الصحابي وقوله واجتهاده ، وما أشبه ذلك .
كما لا يفوتنا لفت النظر إلى أنّ الأصولي - وبحكم وظيفته في خدمة
مسألة المنهج في الفكر الديني — صفحة 314
مساهمون: حيدر حب الله
ص٣١٤