والاضطراب ، إن العقل القداسي لا يمكنه أن يقبل بفكرة كهذه ، لأن فيها نوعاً من القدح بعظمة شخصيات ذات طابع مقدّس ، ومن ثم فكل فقيه هو في موقفه باحث مستقل لا معنى للعقل المستقيل فيه ، أما العقل الحداثي فهو يرى بأن هذا الأمر طبيعي للغاية ، بل ينظر بعين النقد للكثير من المواقف انطلاقاً من مناخات معاصرة سياسية أو . . مما يبعد الموقف الفقهي عند هذا الفقيه عن صيغته العلمية المحض ، الأمر الذي يخفّف من قوة الاحتمال فيه ، ويبطئ من حركة اليقين التصاعدية .
إن علم الأصول لم يكن معنياً بهذا الواقع الذي لا يمكن الزعم بأنه استثناء بل هو الأعم الأغلب ، ومن ثم فإطلاق الكلام في نظرية الإجماع من الزاوية النظرية المحض يغدو أمراً مفارقاً للواقع الاجتهادي لا متماهياً معه ، عندما يجري - على الأقل - التخفيف من كثافة العقل القداسي .
وفي أنموذج آخر دالّ ومعبّر ، الحديث عن إجماعات لا تطال الدائرة الإسلامية ، لماذا لم تكن مواقف علماء السنّة ذات درجة احتمالية إلا عندما يراد الاستنصار بها في سياق جدل ، وهكذا مواقف فقهاء الشيعة بالنسبة إلى الفقه السنّي ؟
إن الجواب عن هذا السؤال ربما يكون في اللجوء إلى اختلافات جذرية في الأصول الموضوعة في العلوم الدينية عند الطرفين كالقياس والاستحسان و . . وهي أصول كان من الطبيعي أن تولّد معطيات فاقدة للأهمية بتاتاً عندما يكون الأصل الموضوعي مرفوضاً بالكلية .
إلا أن هذا الجواب - رغم سلامته - لا يصلح حلًّا شاملًا ، وتفسيراً كاملًا للسبب ، كما أسلفنا سابقاً ، إن عنصر فقدان الثقة كان أحد الأسباب الرئيسية لاستبعاد موقف هذا الفقيه أو ذاك ، وفقدان الثقة عنصر ينتمي إلى الدائرة الثقافية العامة التي يجب تحديد أطرها ، مقدمةً لقياس درجة الوحدة الاحتمالية .
ومعنى ما نرومه شبيه بفكرة الإجماع المدركي الذي يعني حصول
مسألة المنهج في الفكر الديني — صفحة 310
مساهمون: حيدر حب الله
ص٣١٠