الضروري الحديث عن ضوابط في هذا الموضوع ، وأبلغ ما كان هو الحديث عن وصف التقدّم الزمني في المجْمِعِين وما شابه ذلك .
غير أنّ مشكلة المشاكل في نظرية الإجماع لا تنبع من عنصر التراكم فحسب حتى ندرس هذه المراكمة ونحلّل إفادتها اليقين ، وإنما - أيضاً - من عنصر وحدة الاحتمال التي يجب أن تدرس خارج إطار النظريات الرياضية ، وإنما في التحليل النفسي والتاريخي والاجتماعي للتراث عموماً .
إن رأي فقيهٍ ما - كالشيخ الطوسي أو العلامة الحلّيهو الوحدة التي نحتاج إلى مثيلاتها لخلق عنصر مراكمة الاحتمال ، لكن الباحثين يبدؤون بالافتراق والانفصال عندما يراد تحديد قوّة الدلالة المنطقية في رأي هذا الفقيه ، فعندما يحمل الباحث تصوّرات مثقلة بالقداسة والهيبة حول شخصية هذا الفقيه ، فإن درجة كشف موقفه عن الحكم الشرعي ستغدو كبيرة ، ولنستخدم تعبيراً رياضياً فنقول : تغدو 10 % ، إن القراءة التبجيلية والتقديسية للتراث تعطي تصوّرات من هذا النوع عن مفرداته ، ومن ثم يغدو كشف الإجماع عن الواقع التشريعي ممكناً في ظلّ هذا المناخ الطبيعي الدافئ ؛ لأن العثور على خمسة عشر فقيهاً يتبنّون الرأي نفسه يسمح - ضمن عملية حسابية - ببلوغ حالة الاطمئنان ما دامت الوحدة التي ننطلق منها هي ال - 10 % .
أما حينما ينطلق الباحث من عقلانية نقدية ، ومن موقف الناقد للتراث عموماً ، ويغدو قابعاً في مخياله في السياج المحكم الذي تخلقه القراءات التاريخية بالمعنى المعاصر للكلمة ، وتزول عنده مفاهيم القداسة والعظمة ، والهالة التي تصنع حول الأفراد و . . فإن هذا المناخ لن يساعد أبداً على تكوين وحدة احتمال قوية وقادرة - بمعونة عنصر المراكمة - على التفاعل التصاعدي لبلوغ درجة اليقين ، إن أنموذجاً واحداً كفيل بأن يوضح لنا الصورة ههنا ، تلك الفكرة التي تقول بأن الطبقات اللاحقة من الفقهاء كان ينتابها - ولو جزئياً - عقل مستقيل ، فتذهب إلى ما ذهب إليه الأقدم منها في نوع من الاتكالية على الدوام تعزّزها - نفسياً - المواقف السابقة المؤيّدة ، وتزيل عنها شبح القلق
مسألة المنهج في الفكر الديني — صفحة 309
مساهمون: حيدر حب الله
ص٣٠٩