2 - نظرية التزاحم الحفظي : وهي النظرية التي أسهب فيها الشهيد محمد باقر الصدر حين قال : بأن المولى سبحانه حينما تضيع سبل اليقين بالأحكام الشرعية أمام العباد ، لا يجدُ بُدّاً من موازنة أموره للحفاظ على أكبر قدر ممكن من تلك المصالح التي ضاعت عليهم أو حمايتهم من أكبر قدر ممكن من المفاسد التي قد يقعوا فيها نتيجة ضياع الأحكام الشرعية بالنسبة لهم .
إن المولى يشرّع العمل ببعض الظنون ؛ لأنه يرى بأنها أكثر السبل ضماناً لتحصيل المطلوب ، وإلا فإذا أطلق العنان ضاعت المصالح والمفاسد « 1 » .
وهذه المحاولات التي ذكرها علماء أصول الفقه لحلّ مشكلة العمل بسبل الظن في الشريعة ، لا ريب في اشتمالها على خصوصيتين :
الأولى : إنها قادرة - في الجملة - على امتلاك عنصر الانسجام النظري الداخلي ، وهذا العنصر رهين للدراسات الأصولية في هذا الصدد ، أي أنها ليست نظريات ( لا أقل واحدة منها أو ما قد يلفّق ) متهافتة أو قريبة للسفسطة ، بل إنها منطقية وموزونة ومحتملة جداً .
الثانية : إنها نظريات أتت الدرس الأصولي عقب إثبات أن المشرّع سبحانه قد أمرنا بالعمل بالظنون في الشريعة ، أي أنّ الأصولي لمّا ثبت عنده - بالآيات أو غيرها - أن المشرّع أعطى الحجية لخبر الواحد أو . . أراد الفرار من إشكاليات ابن قبة ومن بعدَه ، أمّا لو لم يثبت حجية أيّ طريق ظني ، فالأصولي ربما يبحث هذا الموضوع من باب زيادة المعرفة ومتابعة الموضوعات المثارة .
وبعبارة أخرى ، يغدو الأصولي معنياً بتقديم حلول عندما يثبت عنده أن المولى أعطى الحجية فعلًا ، فلكي يتمّم نظرية الحجية أراد حلّ عقبات ما يسمّى مرحلة الثبوت والإمكان ، وهذا معناه أنّ هذه النظريات لا تريد أن تؤكّد
هامش
( 1 ) بحوث في علم الأصول 4 : 201 - 206 .