إسناد المعطيات الظنية إلى المولى سبحانه وإلى الدين والإسلام ، فقد حاول علماء أصول الفقه تبرير هذا الإسناد عبر آليات كلها تنتمي إلى مفهوم الحجية بالمعنى الأصولي « 1 » ، ومن ثم فعملية الإسناد هذه لا تبدو صحيحةً معرفياً عندما يراد الاعتماد على وسائل ظنية لا تبلغ درجة اليقين أو الاطمئنان ، إلا على نوع من التسامح والتساهل .
وهذا ما يعني أن الخطاب الديني عموماً مطالب بتبنّي آليات تنأى بنفسها عن النسبة إلى الإسلام عندما تكون السبل غير أكيدة معرفياً ، ومن ثم فينبغي عدم الاشتباه وخلق التباس في الذهن الجماعي يداخل بين المعطيات المنتمية إلى عالم الحجية الأصولية وتلك المنتمية إلى الحجية المنطقية ، الأمر الذي يخفّف من حدّة بعض الإشكاليات العالقة في الخطاب الديني ، من أبرزها إضفاء القداسة ومنح سمة الواقع على مجموعة من الاجتهادات الفقهيّة .
ولا تبدو المحاولة التي طرحها الميرزا محمد حسين النائيني ( 1355 ه - ) في تفسير نوعية الحجية الممنوحة للظن الآتي من خبر الواحد مثلًا ، والتي تقول بأن المشرّع يعتبر الظنّ علماً في نحو من التعبّد ، إن هذا الاعتبار التشريعي ، لا يغير من واقع الأمر شيئاً حتى عند صاحب هذه النظرية ، لأن النائيني يرى هذا الاعتبار على صعيد تقديم أخبار الآحاد تشريعاتٍ لا إخبارات ، مما يدلّ على أنه لا يريد في مستوى العقل النظري تحويل الظن إلى علم ، بل يريد ذلك في مستوى العقل العملي فقط ، ولهذا لم يوافق النائيني على حجية خبر الواحد ولا مطلق الظنّ في الأمور الاعتقادية « 2 » ، وحتى تلميذه السيد الخوئي - أشهر أنصار مدرسة النائيني - عندما حاول معالجة علاقة الحجية بالموضوعات التاريخية سعى لربط الموضوع بقضايا تتصل بالجانب
هامش
( 1 ) انظر دروس في علم الأصول ، الحلقة الثالثة ، القسم الأوّل : 82 - 83 .
( 2 ) فوائد الأصول 3 : 324 .