لإحراز الواقع ، بل لأنها سبيل يقول العقل العملي : إن العمل وفقها يبرئ ذمّة العباد أمام ربّهم ، ولو أنّ آيةً قرآنيةً دلّت على حجية حتّى الاحتمال الضعيف لكان كالظن بلا فرق .
ومما تقدّم يتضح ، أن نظرية الإثبات الأصولية تنتمي - معرفياً - إلى معايير العقل النظري في قسم منها كالتواتر و . . وإلى معايير العقل العملي في قسم آخر كخبر الواحد . .
إن هذين الانتماءين لا يضرّان بعمل الأصولي ، إذ أقصى ما يقوله لك : إن الطرفين حجة إما ذاتياً لحجية القطع ، أو تعبدياً لحجية خبر الواحد أو الشهرة الفتوائية ولو أفادت الظن ، وهذا التمايز لا يغيّر من وظيفة الأصولي ( والفقيه ) شيئاً .
إن استهداف الأصولي الوصولَ إلى مبرّءات قانونيّة أمام المولى سبحانه وتعالى تجعل أجوبته متناسقة سليمة ، وفي الوقت نفسه بالغة الدقّة ، لكن تحوّلًا بسيطاً في الأهداف والوظائف ربما يغيّر من خارطة نظرية الإثبات الأصولية ويخلق أمامها إشكاليات .
لنفرض أننا نريد أن ننظر لنظرية الإثبات بمعيار منطقي يستهدف كشف الواقع ، هل سيبقى التقييم واحداً ؟ !
إنّ ما يسمّى بوسائل الإثبات التعبّدي سيصبح معايير لا قيمة لها نظرياً ، وإن كانت ذات قيمة عملية ، أي أنه لا يمكن اعتبارها وسائل منطقية ما دامت لا تفيد يقيناً ، ونركّز لا يقيناً أرسطياً ولا يقيناً بالمعنى المعاصر ، مما قد يسميّه الأصولي اطمئناناً ، نعم هي من منظار وظيفي مبرءة للذمّة ، لكنها من منظار علمي ليست سوى ظنون كالاستقراء الناقص عند مناطقة أرسطو ، والقياس الحنفي عند المذهب الإمامي و . .
بل إن مقولة « الإثبات التعبّدي » هي مقولة متناقضة في حدّ نفسها ، فإن الإثبات مقولة ترجع إلى تحديد ما هو كائن ، والتعبّدية مقولة تنتمي إلى عالم الفعل والسلوك ، فلا معنى لاجتماع المفردتين من وجهة نظر العقل النظري ،
مسألة المنهج في الفكر الديني — صفحة 296
مساهمون: حيدر حب الله
ص٢٩٦