إلى أن لا يُعنى الأصولي عادةً بوضع معايير على مستوى العقل النظري تحدّد مدى جدوائية سبيلٍ ما لإثبات الواقع ، فالنصّ ليس في حقيقته سوى واقع تاريخي ، ومن ثَمّ فالحديث عن وسائل لإثباته يعني الدخول في فلك العقل النظري الذي يُعنى بما هو كائن ؛ لأن النص كائن في الزمان والمكان ، فعندما ينظر الأصولي إلى خبر الواحد بمنظار الحجيّة التعبدية فهو غير معنيّ بمدى إصابة خبر الواحد للواقع ، ومن ثم فخبر الواحد عنده ليس وسيلةً لإثبات ما هو كائن بقدر ما هو مخرج تقوم على أساس منه ( الماينبغيّات ) ، ولذلك لا يجد الأصولي حرجاً في التصريح بأن خبر الواحد مثلًا حجّة يجب العمل به والالتزام بمضمونه مع أنه لا تُعْلَم إصابته للواقع ؛ لأن الأصولي غير معنيّ بإصابة الواقع ، سيما عندما يكون الأساس عنده في حجية الخبر الواحد مثلًا الآيات القرآنية ، دون العقل أو السيرة العقلائية .
ولا تعني نظرية الإثبات - أصوليّاً - أن الأصولي لا يعير أدنى اهتمام لوسائل الإثبات ودرجة الكشف عن الواقع الموجودة فيها ، بل إن كلمات الأصوليين في تحديد فلسفة التعبّد بالظنون وإمكانه تؤكّد أنهم كانوا يلاحظون درجة الكشف المنتمية إلى العقل النظري ، ولهذا ظهرت فكرة التزاحم الحفظي بملاك قوّة الاحتمال في الأمارات عند السيد باقر الصدر ، وفكرة حجية مطلق الظن حيث يقوم دليل الانسداد على أساس من تقديم الظن على غيره ، لا لشيء سوى درجة الكشف فيه والتي تمنحه رجحاناً « 1 » . . لكن مع ذلك لم يكن السبب في تبنّي الأصولي للظنون التي منها خبر الواحد كونها سبيلًا منطقياً
هامش
( 1 ) انظر حول نظرية التزاحم الحفظي ، محمد باقر الصدر ، بحوث في علم الأصول 4 : 201 - 206 ؛ وانظر حول تقديم الظن في دليل الانسداد ، المحقق محمد حسين الإصفهاني ، نهاية الدراية في شرح الكفاية 2 : 270 - 274 ؛ والآخوند الخراساني ، كفاية الأصول : 356 - 361 ؛ والميرزا النائيني في أجود التقريرات 2 : 127 - 139 .