وأبرز مثال متّفقٍ عليه على الوسائل الوجدانية لإثبات صدور النصوص أو الأحداث هو التواتر الذي درسه علماء الأصول والحديث منذ قديم الأيّام « 1 » .
وعلى منوال التواتر الذي يعني تراكم إخبارات المخبرين ، يأتي الإجماع في بعض صيغ تبريره ، كالصيغة الأخيرة في أوساط علماء الأصول في القرنين الأخيرين ، والتي ترى بأن قيمة الإجماع تكمن في قوّة الكشف والدلالة والإنباء عن الواقع التاريخي مما يعود إلى عمليّة يقين موضوعي يدرج الإجماع في سلك وسائل الإثبات الوجداني « 2 » .
لكنّ تضعضع نظرية الإجماع - سيما المنقول - في الفكر الأصولي على يد الشيخ مرتضى الأنصاري « 3 » ، والإجهاز عليها على يد السيّد أبو القاسم الموسوي الخوئي ( 1413 ه - ) « 4 » ، أدّى - حسب رأي بعض الأصوليين « 5 » - إلى بروز وسيلة إثبات جديدة أكثر فاعلية ، هي نظرية السيرة ، التي قسّمها علماء الأصول إلى عقلائية تقوم على الإمضاء التشريعي ، ومتشرّعية تقوم على عنصر الكشف عن موقف المعصوم عليه السلام .
وبذلك تكوّنت لدى العقل الأصولي نظريات التواتر ، والإجماع وقد تلحقه الشهرة الفتوائية ، والسيرة بقسميها .
هامش
( 1 ) انظر مدى الاهتمام الأصولي في : الطوسي ، العدّة في أصول الفقه 1 : 69 - 88 ؛ والذريعة إلى أصول الشريعة : 481 - 510 .
( 2 ) راجع كشف القناع عن وجوه حجيّة الإجماع ، المحقق أسد الله التستري المعروف بالمحقق الكاظمي ، الطبعة الحجرية ، نشر مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث ، ص 28 - 32 ، فقد ذكر بتفصيل بياناً موسّعاً لهذه المقولة .
( 3 ) الشيخ مرتضى الأنصاري ، فرائد الأصول : 124 - 166 .
( 4 ) السيد أبو القاسم الخوئي ، مصباح الأصول : 134 - 141 ، وانظر له أيضاً دراسات في علم الأصول 3 : 141 - 145 .
( 5 ) السيد محمد باقر الصدر ، مباحث الأصول 2 : 93 - 97 و 131 - 134 .