ثانيهما : وسائل الإثبات التعبّدي ، وهي جملة الوسائل التي لا تمنحنا يقيناً بصدور النصّ أو الحدث ، بل أقصى ما تعطينا الظنّ والرجحان ، لكن اعتباراً تشريعياً منحها قيمةً ما سنأتي على ذكرها ، ومن ثم صار بالإمكان الاعتماد عليها في إثبات النصوص والعمل وفقها .
وأبرز أنموذج لهذا النوع ( الثاني ) هو خبر الواحد ، وعلى رأي بعض الأصوليين الرافضين لحجية خبر الواحد أو بعض الحجج الأخرى ، الظنُّ المطلق سيما على نظرية الكشف « 1 » .
ومن رحم وسائل الإثبات التعبدي ، ولدت فكرة الحجية بمفهومها الأصولي ، لتستقلّ عن الحجية بالمفهوم المنطقي « 2 » ، وتبدأ سلسلة من التداعيات النظرية الهامة التي نستهدف فعلًا تحليلها .
اعتقد الأصوليّون بأن حجّية أمرٍ ما غير معنية - عادةً - بإيصاله لليقين أو الواقع عندما نترك فعلًا حجية اليقين نفسه ؛ لأن الحجية بمفهومها الأصولي مبدأ ينتمي إلى دائرة العقل العملي ، إذ تعني تنجّز التكليف على العبد ودخوله دائرة مسؤوليته من جهة ، وعذر العبد في العمل على تقدير عدم إصابة الواقع في أسوأ الحالات ، وهو ما يسمّى : المنجزية والمعذّرية ، وَجْهَا الحجيّة .
أمّا الحجية بمفهومها المنطقي ، فتعني اشتمال دليلٍ ما على درجة معيارية تسمح بتبنّيه طريقاً إلى الواقع .
إن تكوّن الحجية بمفهومها الأصولي المنتمي إلى دائرة العقل العملي فيما يلزم ويعذر ، ينبغي ولا ينبغي ، بمعزل عن الحجية بمفهومها المنطقي المنتمي إلى دائرة العقل النظري الهادف إلى تحديد الواقع والإنباء عمّا هو كائن . . أدّى
هامش
( 1 ) انظر حول هذا الرأي ما شرحه الميرزا محمد حسين النائيني في فوائد الأصول 3 : 225 - 227 و 280 - 309 .
( 2 ) انظر حول الحجيّتين : بحوث في علم الأصول 4 : 27 .