للعلم ؛ لأن الطاقة سوف تنفلش على نطاق أوسع ، أما لو ركّز هذا الأصولي نظره على بعض الملفّات الأساسية ليُبدع فيها فيقضي بها عمره ، فيما خصّص الآخر نفسه لملفّات أخرى وهكذا في الفقه والحديث . . لكان مجال الإبداع أكبر ؛ لأن هناك تركيزاً مكثفاً على دوائر أضيق ، فلم يعد هناك اليوم من يؤلّف دورةً كاملة في علم الرياضيات تتناول تمام موضوعاته ، نعم يدرُسُه ويطّلع عليه ويملك مفاتيح وروده والخروج منه ، أما أن يطالب بالاجتهاد وإبداء الرأي في علمٍ بأكمله ، فضلًا عن علوم ، فهو ما نراه يضعف قدرة الإنتاج ، ونجده مسؤولًا عن بعض أسباب الاجترار المعرفي الذي يملك بعض المظاهر في الأوساط العلمية .
لقد كبُرت العلوم الدينية وتعاظمت ، فلو أردنا اليوم أن ندرس نظرية الدلالة في أصول الفقه ، فنحن بحاجة للكثير من الدراسات اللغوية الجديدة لنقرأها ونقرأ مساهمات جادّة كتبت في هذا الموضوع ونناقشها ونبني تصوّرات بعد ذلك ، لا أن نبقى مع أربعة أو خمسة أصوليين متأخرين نروح ونغدو على موائدهم ، وكأنها نهاية التاريخ وخاتمة العقل ، مع تقديرنا للعقل الإبداعي النادر الذي حملوه ، من هنا كان جهدٌ من هذا النوع بحاجةٍ إلى عمر ووقت ، وإلى إبداعات تواكب تطوّر المعرفة .
لو وضعنا يدنا اليوم على دورةٍ أصولية ، ثم أخرجنا منها مقدار الإبداع ، وتركنا التكرار وتوضيح قول الغير ، لما جاوزت مائة صفحة - ربما - نسبةً إلى عشرة مجلّدات ؛ لأن الدراسات تعيش حالةً من الرتابة والتكرارية ، فالكثير يعيد نظريات محدودة ويعلّق عليها ، وهذا مسؤول عن بعض إخفاق حركة الإبداع في أوساطنا .
من هنا ، فالمفترض :
أ - تحكيم مضمون الأفكار وجعلها معياراً قبل لغتها ، دون ممارسة استخفاف كامل باللغة .
ب - عدم الجمود على صيغةٍ واحدة للبحث الفقهي وكأنها صيغة حصرية ، بل محاكمة الأفكار طبقاً لمعطياتها لا لشكلها وأسلوبها فحسب .
مسألة المنهج في الفكر الديني — صفحة 288
مساهمون: حيدر حب الله
ص٢٨٨