تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مسألة المنهج في الفكر الديني — صفحة 287

مساهمون:

ص٢٨٧
ليس هذا فحسب ، بل حتى المؤمنين بهذه الاهتمامات العلمية لا يقدّم كثيرٌ منهم نفسه على المستوى عينه الذي يفعله الفريق الآخر ، فيظلّ الفقه تحت سلطة إحدى وسائل معرفته ، وإحدى جهات النظر إليه . والذي يبدو أنّ سبب هذه الظاهرة الخاطئة من وجهة نظرنا عدم الاطلاع حتى الآن على تأثير هذه الألوان من الدراسات على تطوير المعرفة الفقهية ، كما وعدم الاقتناع بقدرتها على تغيير العديد من القناعات الفقهية ، ولعبها دور القفز المنهجي في هذا العلم وما يتصل به من علوم . ما زال ينظر اليوم إلى مثل هذه الدراسات بوصفها مما يسمى « ما وراء الفقه » ، أي شيءٌ ما يتصل بالفقه ، وكأنّ الفقه - وهو العلم الذي يدرس الشريعة - لا يعني سوى شكلٍ واحدٍ من أشكال دراستها ، علماً أنّ بعض هذه الموضوعات لا يقلّ عن بعض موضوعات الفقه أو أصول الفقه ، مثل مقاصد الشريعة ، أو تاريخية السنّة النبوية ، أو بعض مباحث الهرمنوطيقا واللسانيات ، أو . . مما يدفع إلى ضرورة إدراجها في الدرس الرسمي في الحوزات الدينية ، لا تناولها دوماً على هامش البحث الرسمي . بل إننا نرى أن كثيراً من فقهاء الحوزة وفضلائها ما زالوا على قناعة بأنّ اللغة والتركيب الخاصّين هما مظهر القوّة العلمية للفكرة المطروحة ، فأنت الآن لو كتبت بحثاً بلغةٍ معاصرة ثم عرضته على هذا الفقيه أو ذاك لربما اقتنع بأنّه بحث جيد ، غايته ليس بالعلمي ولا المتخصّص ، أما لو أعدت صياغة البحث نفسه بلغةٍ تعتمد الاختصار والمصطلح الخاصّ وتركيب الأبحاث على طريقة : الوجه الأول ، والوجه الثاني ، ويرد عليه ، ويشكل ويناقش ، و . . فإن البحث يغدو أكثر علميةً ، وهذا ما يجعل الفكر خاضعاً للغة لا للمضمون والمحتوى . وفي السياق أيضاً ، نجد أن أبحاث الخارج والدراسات الاجتهادية العليا في الحوزات العلمية ما زالت تعتمد - خصوصاً في أصول الفقه - منطق « الدورة الكاملة » ، أيّ أنّ كل عالمٍ فقيه يُفترض أن يقدّم نظرياته وآراءه في موضوعات هذا العلم كافّة ، وهذا ما يساعد على ضعف قدرة الإبداع عندما يتضخّم الحجم الكمّي