في تاريخ الفقه الإسلامي ولا ينبسون ببنت شفة عن تاريخ الفقه الشيعي وإذا ذكروه فبصفحةٍ أو صفحتين ، وكأّنه خارج الفكر الإسلامي بالكليّة ؟ ! وأليس من الغريب أن تنظر في عشرات دروس بحث الخارج - وربما المئات - على امتداد العالم الشيعي ، تلك المحاضرات التي تحوي آخر نتاج التطوّر الفقهي والأصولي للمسلمين الشيعة ، ولا تصادف في تاريخ هذه الدروس وقفات نقاش أو بحث مع الطرف السنّي إلا نادراً ؟ !
ليس جزافاً القول : إن أسباب هذا الموضوع كثيرة ، يرجع كثيرٌ منها إلى أزمة ثقة بين المذاهب ، ألم يُتهم أبو حنيفة في بعض الأروقة بأنّه سرق ؟ ! أو يدان الشافعي بأمور يعيب التكلّم بها ؟ ! . .
ولعلّ وجهة نظرٍ تختلف عما تقدّم تجد لنفسها مبرّرات ، أبرزها :
المبرر الأول : وهو من المبرّرات النفسية التي يعيشها كلّ طرف ، على أساس أنّ هذا اللون من الفقه أو الأصول سوف يذهب خصوصيّة الذات ، وستتلاشى معالم المذهب ، ويقلّ التمسّك بها ، فحذراً من هذا الانصهار نستبعد - من البداية - كلّ نتاج الآخر ، لنظلّ سالمين من تأثيراته السلبية ، فلعلّ كثرة استخدام القياس والتعايش معه ، تخفّف من قبحه لدى الفقيه الشيعي ، مما يكسر أصالته المذهبية ، ولعلّ كثرة رجوع الفقيه السنّي إلى مصادر الحديث الشيعية سوف تسمح بنفوذ الأفكار الشيعية الضالّة - حسب رأيه - إلى عقله وتقبّله لها ، مما يدفع إلى الخوف على دينه وإيمانه .
ونحن نقدّر هذا الخوف أو القلق ؛ لكننا لا نجده مقنعاً ؛ لأنه إذا أردنا الإخلاص لهذا القلق ، فعلينا عزل أنفسنا عن كلّ نتاجات المعرفة في العالم ، ليس في الفقه وحده ، بل في تمام العلوم ؛ لأنّ المحذور واحد والقلق واحد ، على أنّ مثل هذه التطبيقات لا تمسّ أصول الفقه في غالب الحالات ، فلماذا لا ندرس القياس دراسةً موضوعية قبل أن نحكم عليه دون أن نعرف شروطه وقيوده عند أهل السنّة ؟ مع أنّ هناك وجهة نظرٍ تقول : إن كثيراً من خلافات أصول الفقه بين المذاهب ترجع إلى معارك لفظية لا أكثر ، أو لا أقلّ يكون الخلاف في شروط
مسألة المنهج في الفكر الديني — صفحة 284
مساهمون: حيدر حب الله
ص٢٨٤