الآخر بالاقتدار العلمي ، بدل أن يكون نشر الفكر هو رسالة العلماء والباحثين لا استعراضاً للقوى والتخايل بها .
هنا تموت الرساليّة في المعرفة إلى مصارعة ومطاحنة ، ويموت الهدف الرئيس الذي من أجله جاء العلم ، ليفهم الإنسانية نفسها ووجودها ومبدءها ومعادها ، لا لكي يبخل على الناس بالمعرفة ، ادّعاءً بحماقة البشر إلّا نفسه ، وجهالتهم إلّا هو ، فليحسب طلاب العلوم الشرعية الغارقون في دراسة الكتب والمناهج الفقهية والأصولية في الوسط الشيعي ، وليتحدّثوا مع أنفسهم في هذا الأمر ، كم من عمرهم صرفوا ليفهموا مراد هذا العالم أو ذاك المصنّف بعد صراعات مريرة على تفكيك نصّه وتحليل كلماته ؟ ! ولو أنّ لغة العلم غدت واضحةً شفافة ، لا مبتذلةً مستهلكة ولا معقّدة متشابكة ، لاختصرنا الوقت وكسبناه في آنٍ معاً ، وصرفنا جهودنا الجبّارة على تفكيك المعاني ونقدها وتطويرها وإبداعها .
ولعلّ التأثير الفلسفي على علمَي الفقه وأصوله ساعد على بناء هذه اللغة المعقّدة ، وهو خلل منهجي ليس على مستوى اللغة والخطاب العام ، بل على مستوى آليات البحث أيضاً ؛ فقد جرى استخدام منهج فلسفي وجودي في مباحث بحت لغوية استظهارية دلالية ، لا تحليلية ، كما تأثر الفقهاء أحياناً بالفلاسفة والعرفاء في إقصاء أفكارهم عن التداول العام ، كان من أسبابه في الفلسفة والعرفان والتصوّف تصادم مقولات هذه العلوم مع الرأي العام والوعي الديني الشعبي ، بل مع وعي الفقهاء الرسميين أيضاً ، وبسبب الخوف بأشكاله ، اضطرّوا لتعمية مفاهيم عبر إغلاق النصوص وتعقيدتها ، بل لقد تواصوا بذلك فيما بينهم ، كما حصل مع إخوان الصفا وغيرهم ، إلّا أنّ هذا الأمر لا ينطبق على جهود الفقهاء والأصوليين والمحدّثين و . . ومن ثم فلا معنى لاستعارة هذا المناخ الفلسفي - الصوفي إلى علوم تحسب عندهم ظاهرية ، ولعلّ الأسباب التاريخية لعبت دوراً كبيراً في هذا الميدان .
إذا درسنا تجربة أهل السنّة في هذا المضمار سنجد - تأريخياً - أن أصول الفقه السنّي عاش بضعة قرون في ظلمات التعقيد التي مثّلت عصر الانحطاط والدوران حول الذات ، بالشروح والحواشي والخلاصات والتعليقات ، لكن ، ومنذ
مسألة المنهج في الفكر الديني — صفحة 279
مساهمون: حيدر حب الله
ص٢٧٩