وعن كثيرٍ من أمثاله ؟ !
بهذا المثال التقريبي أبدأ فكرتي ، إشكالية تتجاذب المصلح الديني في المؤسسات الفكرية الدينية ، هل يشرع - لكسب الاعتراف به - بنمط تقليدي مدرسي فتمرّ الأيام ثم تمرّ المشاريع وتذوب بعد الغرق في تعقيدات الأوضاع التقليدية ، أم يبدأ في عملية التغيير وفق قناعاته منذ البداية لكنه يصطدم بعدم الاعتراف به مما يُعجزه عن التغيير ؟
سؤال رئيس ، وجوابه - في الوقت عينه - معقّد متشابك ، فقد رأينا في حياتنا أشخاصاً متذبذبين خائفين أن يُنبذوا أو لا يُقَرّ لهم باجتهاد أو فقاهة ، فاضطرّوا للتخلّي عن قناعاتهم مرحلياً ، لكن مرور الأيام قضى على تلك القناعات وجعلها رذاذاً منثوراً .
من هنا ، تبدأ معاناة طلاب الشريعة ، حيث التذبذب بين المناهج ، فيضطرّ الطالب لدراسة كتب لا يؤمن بعظيم الفائدة من دراستها ، مع كلّ الاحترام لها ولمؤلّفيها ، لا لشيء سوى الخوف من أن يُنعت بالضعيف علمياً أو . . وبهذا تموت القدرات والطاقات وتذهب الآمال رويداً رويداً ، وتبقى المظلّة الكلاسيكية تخيّم فوق رؤوس الجميع ، وقبل كلّ شيء فوق رؤوس ألدّ أعدائها ، إنه القدر الذي أصاب ويصيب غير صرحٍ علمي في حياتنا الدينية ، ولهذا لابدّ من تفكير جادّ ، ليس شكلياً بل جوهري ، تفكيرٍ لا يعيش عقدة الخوف ولا يبحث عمّن يشهد له أو يمتدحه ، تفكير لا يريد إلّا الله حتى لو ذمّه العالم ، ولا يسعى إلّا خلف رضوانه حتى لو عاداه الخلق كلّه ، يعرف المدارة لكنه لا يقتل نفسه داخلها ، إنّه لا يصنع أفكاراً واهمة تجعله كدودة القز تقتل نفسها بنفسها ، فيسلّي نفسه تارة بأنه يقوم بتغيير تدريجي ، أو يؤنسها أخرى بأنه يمارس تكتيكاً . .
مسؤولية مَنْ تلك أن نبعث في نفوس طلاب الفقه والشريعة الثقةَ بأنفسهم حتى لو لم يسيروا وفق المألوف الذي لا يؤمنون به ؟ أليست مسؤوليّة أساتذة الحوزات العلمية ومربّيها أن يعملوا على ذلك ؟ إلى متى الارتكاس والخوف ؟ وإلى متى القلق على مصالحي ومصالحك أن تصدر بنا فتاوى أو تنهال ضدّنا البيانات
مسألة المنهج في الفكر الديني — صفحة 269
مساهمون: حيدر حب الله
ص٢٦٩