العالم ، وتمرّ السنون وهو لا يدري أنّ علوماً منطقية قد ظهرت ، وأنّ منطق أرسطو قد اجتاحته أمواج النقد العاتية فأعملت فيه مظاهر التعرية ، ولسنا بذلك نزعم أنّ منطق أرسطو قد بلى وحكمنا عليه بالمقصلة ، بل كلّ ما في الأمر أننا نريد أن ينشأ الطالب على وجود اتجاهات وآراء ، ولا يظنّ أن للدنيا لوناً واحداً فحسب ؛ مما يخلق في تفكيره تصوّراً أحادياً عن العالم ، لا يلامس الواقع والحقيقة المعرفية الموجودة .
وهكذا الحال في علم الفلسفة الإسلامية ؛ فنحن نلاحظ أن الحوزات العلمية تركّز - إلّا مؤخراً وبصورة جزئية - على الفلسفة العقلية الصدرائية - نسبةً إلى الملا صدرا الشيرازي ( 1050 ه - ) - وكأنه لا وجود في العالم لفلسفةٍ إلّا الفلسفة الإسلامية ، وأنّ الفلسفة الإسلامية قد اختزلت في الحكمة المتعالية ، مع تقديرنا الكبير لهذه المدرسة الفلسفية الراقية ، تماماً كما نلاحظ حالة الإفراط هذه لدى بعض مثقفي المغرب العربي في رؤيتهم للفلسفة الرُّشدية ، وهذا ما سبّب استخدام منطق التهميش للفلسفات الأخرى والتعامل معها بدونيّةٍ دون كثير اطلاع على مصادرها وأفكارها .
ولا تقتصر هذه الحالة على المنطق والفلسفة ، بل تنال الفقه نفسه ، فرغم التنوّع الموجود اليوم في الدرس الفقهي ، وهو تنوّع لا يكاد يُنكر ، إلّا أنّ ثمّة مشاهد تظلّ مغيّبةً عن طلاب الشريعة ، يتربّون على غيابها ، مثل الفقه السنّي في الوسط الشيعي ، والفقه الشيعي في الوسط السنّي ، أو الفقه الوضعي في الوسطين معاً ، فلا يطّلعون عليها إلّا بعد مرحلة الاكتمال الفكري ، التي تفرض رؤيةً أيديولوجية ذات أحكام مسبقة على الآخر في كثيرٍ من الأحيان ، وستكون لنا وقفةٌ مع موضوع تنوّع المشهد الفقهي قريباً إن شاء الله تعالى .
وبهذا يجدر أن لا نستهين بالأحادية التعليمية التي ينغمس طالب الشريعة في أجوائها ما لا يقلّ عن عقدٍ كاملٍ من الزمان ، وهو أمرٌ تُسأل عنه البرامج التعليمية الحالية ، مع تقديرنا لجهود مشكورة تقوم بها المعاهد والحوزات الدينية في هذا المضمار .
مسألة المنهج في الفكر الديني — صفحة 267
مساهمون: حيدر حب الله
ص٢٦٧