ثانياً : ثمّة أزمة ثقة يعانيها طلاب الشريعة الآملون في التغيير ، وهي أزمة تخلق - فيما يبدو - نوعاً من انفصام الشخصية أو من الازدواجيّة ، ولعلّ هذه الأزمة المزدوجة ( الثقة - الازدواجية ) من أخطر الأزمات التي تعانيها الحوزات العلمية اليوم .
ولكي أوضح هذه الفكرة ، أجد نفسي مضطراً لذكر هذه القصّة ، فقد التقيت بأحد أبرز تلامذة الشهيد السعيد محمد باقر الصدر ( 1400 ه - ) ، وهو من الفقهاء المعاصرين البارزين ، وكان حديثٌ عن الفقه و . . فسألته عن السبب الذي دفع مفكّراً كبيراً كالسيد الصدر ، وهو رجل المرحلة ، والعارف بزمانه ، أن لا يدرّس في حوزة النجف آنذاك فقه الاقتصاد ، أو فقه الأسرة ، أو فقه العقود وأنظمة المال ، أو فقه القضاء ، وهي ملفّات شائكة وبالغة الأهمية ، وجميعنا يعرف لو ولجها الصدر بعقليته الفقهية و . . لقدّم نماذج مهمّة تحتاجها الأمة وتنمو بها المعرفة ، بل يستبدل ذلك كلّه بتدريس كتاب الطهارة ، إلى مباحث الحيض ، في مدّةٍ لا تقل عن ستة عشر عاماً ، وما طُبع له في مباحث الطهارة على العروة الوثقى لم يكن سوى بعض تلك الدروس لا جميعها .
كان جواب هذا الفقيه البارز أنّ بعض تلامذة الشهيد الصدر هو من أقنعه بأن يدرّس كتاب الطهارة ، مع رغبة الصدر في تدريس فقه العقود مقارناً بآخر النظريات الوضعية في الفقه الغربي ، والسبب في ذلك أنّ الحوزة لن تعترف بك - أيّها الصدر - إذا درّست مباحث جديدة ، بل علينا الشروع بمباحث تقليدية حتى يُصار إلى كسب الاعتراف ، ثم الانطلاق بعد ذلك في المشروع الخاص ، وهكذا شرع الصدر في مباحث الطهارة ، ليدرّسها أكثر من ستة عشر عاماً .
كيف يمكن لنا تصوّر حجم الخسارة التي مُنيت بها الحوزة العلمية بهذه الخطوة ؟ لقد صرف الصدر أقلّ من نصف هذا الوقت ليكتب « فلسفتنا » ، و « اقتصادنا » ، و « الأسس المنطقية للاستقراء » ، تلك المشاريع الثلاثة التي لا يحتاج الأمر للحديث عنها ، فلو صرف ستة عشر عاماً للتنظير للفقه الاجتماعي بأبعاده ماذا كنّا وجدنا اليوم ؟ كيف يمكن غفران هذا الحدث ؟ ! ومن هوالمسؤول عنه ،
مسألة المنهج في الفكر الديني — صفحة 268
مساهمون: حيدر حب الله
ص٢٦٨