مستوى المعرفة والاطلاع لا على مستوى رصد الجهود لدراسته ، فمن المفيد أن يكون طلاب الشريعة مطّلعين على مجمل الموضوعات الفقهية ، لكنّ هذا لا يعني أن يصبّوا دراساتهم على غير الموضوعات الحيّة والمعاصرة ذات الأهمية والمبتلى بها ، ومعنى ذلك أنّه لا يوجد أيّ تنافر بين اعتماد منطق الأولويات في الدرس الفقهي وبين مبدأ تواشج الموضوعات الفقهية ، بل يمكن الجمع بينهما وإيجاد الملائمة والانسجام ، فإذا اصطدمنا بموضوع درسناه حينئذٍ .
وربما نجد وجهة نظرٍ تقول : إن بعض الموضوعات الفقهية قد يفتقد الحضور العمليّ له ، فيخرج عن دائرة التداول - عموماً أو جزئياً - على الصعيد الميداني ، إلّا أنه يظلّ يشتمل على خاصّية تفرضه في الممارسة الاجتهادية ، وهذه الخاصية هي طبيعة التعقيدات والصعوبات والمشاق التي تكتنف موضوعاً فقهياً ما ممّا يجعله محكّاً لاختبار جدارة الفقيه ، فيكون الاهتمام به لا من باب الحاجة العملية الميدانية له وإنّما من باب الحاجة العلمية التي تفرض شحذ الذهن وخوض المعقّد من الموضوعات الشرعية .
وعلى سبيل المثال ، هناك مباحث جرى الاهتمام الكبير بها بين الفقهاء في القرنين الأخيرين ، مثل مباحث كتاب « المكاسب » للشيخ مرتضى الأنصاري ( 1281 ه - ) ، فبعض موضوعات هذا الكتاب ربما يكون غير ذي أهميّةٍ على الصعيد الميداني ؛ لأنه يحاكي وضعاً سابقاً في الحياة الاقتصادية ، إلّا أنّ أهميّة الاجتهاد فيه تظلّ قائمةً مهما اتسعت هذه الثغرة ؛ انطلاقاً من أن الاجتهاد في موضوع شائك كثر فيه القيل والقال والردّ والتفريع تبقى له قيمته على الصعيد العلمي لبناء جيل مجتهد متضلّع في تعقيدات البحث الفقهي .
وليس من شك في واقعيّة هذه الفكرة ، لكن السؤال : هل انتهت الموضوعات التي تجمع خاصية العلمية والعملانية حتى نفتّش في مثل هذه الأوراق لشحذ الذهن وتربية الاجتهاد فيه ؟ وإذا كنّا نحمل همّاً في مواكبة الفقه لآخر أوضاع العالم أليس بمقدورنا وضع حلّ يجمع بين الخاصيتين المذكورتين ؟ ثم من قال : إنّ هذه الموضوعات ليس من أضرارٍ ناجمةٍ عن الغرق فيها رغم الفوائد العلمية التي
مسألة المنهج في الفكر الديني — صفحة 265
مساهمون: حيدر حب الله
ص٢٦٥