وعندما نتحدّث عن رسم الأولويات في الدرس الفقهي وعلوم الشريعة فلا يعني ذلك عملًا فنياً صرفاً لبناء أشكال هرمية أو عامودية أو مستطيلة ، بل بلورة أنظمة التفكير - ومعها أنظمة التعليم - وفقاً لمبادئ واقعيّة الفقه وأولوياته ، فما معنى اليوم - وهذه وجهة نظر شخصية بحتة - لأن يأتي فريقٌ من الفقهاء يدرّسون - على مستوى الأبحاث العليا - مباحث الطهارة في عشرة سنوات أو أكثر ؟ ! هل هذا شيء مقبول ؟ ! وأساساً لماذا ما يزال التفكير في تدوين أو تدريس دورةٍ فقهية أو أصولية كاملة ؟ ! وهل هناك معنى لذلك في عصر تضخّم العلوم الدينية فضلًا عن غيرها ؟ لماذا لا يُصار إلى اعتماد الموضوعات والملفات والمحاور العصرية أو الأكثر حاجةً ليدرّسها الفقيه أو يجتهد فيها بدل أن يُجبر على تدريس بابٍ بأكمله ربما تكون ثلاثة أرباع موضوعاته غير ضروريةٍ اليوم بالمعنى الذي قلناه ؟ ففي أبواب الطهارة ندرّس بعض المسائل الحسّاسة أو التي تشهد جدلًا معاصراً أو التي يكثر الابتلاء بها مثل طهارة الإنسان أو تنجيس المتنجّس أو . .
نعم ، نحن نعتقد بأنّ هذا الفقه متواشجٌ متداخل ، وهذه نقطة لا ينبغي أن نغفل عنها ، فمن الممكن أن تساعدنا مباحث لم تعد مفيدةً اليوم في دراسة موضوعات بالغة الأهميّة ، ولكي أعطي مثالًا ، أذكر مسألة الستر والحجاب للأمَة المملوكة ، فقد ذُكر جواز كشف شعرها مثلًا ، ورغم أن هذا الموضوع لم يعد محلّ ابتلاءٍ اليوم إلّا أنه قد يثير عند فقيهٍ تساؤلًا حول معايير الحجاب في الإسلام ، فيرى أنّ حرمة المرأة ومكانتها يلعبان دوراً في إلزامها بستر جسدها ، وإلّا فقد تكون الأمة مثيرةً للغرائز كالحرّة فكيف نفسّر الموقف ؟ !
لست أريد هنا الحديث عن هذا الموضوع ولا تبيين رؤية ، بقدر ما أريد التركيز على عنصر التواشج في الموضوعات الفقهية ، الأمر الذي يفرض عدم تغييب بحثٍ من الفقه ، بحيث ينشأ طلاب الشريعة لا يعرفون شيئاً عن هذا الباب الفقهي أو غيره ، فيحصل نوعٌ من الخلل في رؤيتهم الفقهية حتى لموضوعات هامّة اليوم .
نعم ، نحن نؤمن بهذا التداخل ولسنا نريد تجاهله ، لكنّ هذا شيء يقع على
مسألة المنهج في الفكر الديني — صفحة 264
مساهمون: حيدر حب الله
ص٢٦٤