مكانة الفقه الإسلامي وأزمة الفرضية
ليس من ريب - فيما يبدو - لمن يقرأ التراث الإسلامي أنّ لعلم الفقه والشريعة وما يتصل به من علومٍ خادمة كالأصول والحديث والرجال والبيان ، مكانةً مميّزة في منظومة التفكير الإسلامي ، وأهمّ ما يميّز مكانة الفقه واقعيّتُه واتّصاله بحياة الناس ، فليس علماً نخبويّاً صرفاً ولا ترفاً فكرياً بحتاً ، إنما هو علم الحياة ، وهو الاستجابة الطبيعية لفكرة تنظيم الحياة على الوجه الأكمل ، من هنا تُناقض النزعةُ الفرضيّة الفقهَ بل وتقتله ؛ لأن هذا العلم إنما يعبّر عن مواكبةٍ للحياة واستجابة لها ، ومتابعة لشؤونها ، فلا معنى لأن ينشغل بفروضٍ غير واقعية ، ما دامت الحياة لا تهدأ بوقائعها الجديدة ، سيّما العصر الحاضر الذي يتحفنا كلّ يوم بمستجدّاته التي لا تكاد تنتهي ، وقديماً قال الأصوليون : إن الوقائع غير متناهية ، ومهما ناقشناهم في هذا الكلام فممّا لا شك فيه أنّ الوقائع كثيرة جداً لا تكاد تتوقف في تدفّقها .
وليست النزعة الفرضية نزعةً جديدةً في حياة الفقه الإسلامي ، بل عرفها المسلمون منذ القرن الثاني مع جماعة فقه العراق التي عرف فريقٌ منها ب - « الأرأيتيين » ، نسبةً إلى قولهم : أرأيت لو كان كذا ، فالتقدير ب - « لو » عندهم كان حاضراً على الدوام تقريباً ، في إشارةٍ دالّة إلى جلوسهم في بيوتهم يرغبون بالافتراض ، حتى ظهرت تساؤلات لا مجال هنا لاستعراضها ، مثل : هل يجوز الزواج من الجنّ ؟ وهل تُحسب الزوجة من الجنّ من الأربع نساء حتى لا يجوز الزواج من خامسة إنسية ؟ . . وفي السياق نفسه ظهرت ما تسمّى في الفقه الشيعي : فروع العلم الإجمالي ، التي ذكرت في مباحث الصلاة ، حاملةً فروضاً نادرة الوقوع في أكثرها .
وهكذا يبتعد الفقه عن الحياة وينزوي داخل السجالات التجريدية ؛ فيغيب عن الحياة ويحلّ محلّه فقهٌ آخر ، كالفقه الوضعي الغربي و . . وبهذا تبدو ضرورة واقعيّة الفقه وأن يعيش طلابه وفقهاؤه همّ الواقع المتدفّق بقضاياه اليوم ، سيّما بعد دخول هذا الفقه مجال الحياة السياسية بكلّ تعقيداتها .