تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مسألة المنهج في الفكر الديني — صفحة 263

مساهمون:

ص٢٦٣
ولعلّ ما يساعد على ذلك - في بعض الجوانب - الرغبة في استخدام طريقة التفريع والتشقيق المنطقي القائم على سرد التقسيمات الثنائية ، وهي طريقة رائعة استخدمها الفقهاء المسلمون ؛ إذ كانوا يحاولون فرز المحتملات والصور المتوقعة - إمكاناً - للموضوع ، ليجيبوا عن تمام الصور المفترضة المتصوّرة ، فتكون إجاباتهم مستوعبة لتمام احتمالات الواقع ، وفي هذا الإطار يجدون أنفسهم يعالجون افتراضات غير واقعية لكنها محتملة الوقوع ، إن روعة هذا المنهج لا ينبغي أن تغرق الفقيه في المفروضات ذات الطابع غير العملاني ، بل يركّز جهوده بشكل مضاعف على الصور المفترضة العملية ، حتى لا يغرق في احتمالات لا تمتّ إلى الواقع بصلةٍ عملياً ، وإن احتملها نظرياً وفلسفياً .

الفقه الإسلامي وترتيب الأولويات

وقد لا يُمنى الفقه بنزعةٍ فرضيةٍ كالتي ألمحنا إليها ، لكن ميزان الأولويات يختلّ عنده ، فمباحث التخلّي والوضوء من مباحث الواقع ، ليست مجافيةً له ولا بعيدةً عنه ، لكنّ الأمر ليس في واقعيّة هذا البحث الفقهيّ أو ذاك فحسب ، بل في الحاجة إليه أيضاً ، والأهم تقدير مدى هذه الحاجة . من هنا ، تأتي عملية اصطفاء الموضوعات الفقهية لوضعها ضمن هيكل يقدّم ما حقّه التقديم ويؤخّر ما حقّه التأخير ، فصحيحٌ أن مباحث التخلّي أو الوضوء واقعيةٌ وهامّة ، إلّا أنه يجب أن نقايس في كلّ عصرٍ وزمان درجة الأهمية ؛ فقد نجد أنّ مباحث الاستنساخ ، والتلقيح الصناعي ، وفقه البنوك والمصارف والبورصات و . . تحتوي درجةً مستعجلة من الجواب ، فيما التخلّي والوضوء والصلاة على درجة أقلّ ، سيما وأنّ هناك مباحث سابقة في هذا دون ذاك ، فحينما نتحدّث عن أولويات ونطالب المعاهد الدينية والحوزات العلمية بالتركيز على ملفّاتٍ دون ملفات لا نقصد البتّة تهميش أيّ حكم شرعيّ إلهي أو اعتباره سخيفاً والعياذ بالله ، بل الحديث عن الاهتمام المعرفي بهذا الموضوع أو ذاك ، انطلاقاً من مبدأ أن الفقه استجابةٌ للواقع وردّ على أسئلته .