والأفكار آخذاً بعين الاعتبار أيضاً التأثيرات الميدانية لمادّة البحث ونتائجه ، وهذا ما يستدعي إعادة فرز وترتيب للموضوعات الكلامية مع الأخذ بالنظر هذا الجانب أيضاً .
من المعروف أنه ونتيجةً لتأثيرات المنطق الأرسطي ، جعلت استقامة الفكر منفصلةً عن الواقع الخارجي العملي ؛ لأن هذا المنطق يرى أنّ سلامة العمليات الاكتشافية العقلية تكمن في قدرتها على وضع القضايا والمعلومات في مكانها الذهني الصحيح للمساهمة في ضمان صحّة التوصل إلى النتيجة ، وهذا يعني أنّ الهدف الذي يتوخّاه العقل الأرسطي هو الوصول العقلي إلى نتيجةٍ سليمة ذهنياً دون النظر إلى التردّدات العملية لهذه النتيجة « 1 »
لكنّه من المناسب هنا الإشارة إلى عدم الإفراط في ملاحقة هذه النزعة وإقصائها إلى الحدّ الذي يفقدنا قيمة أبحاث وموضوعات قيمة ، فالعملانية ضرورة غير نهائية ؛ والسبب في إثارة هذه القضية هو أنّ هناك نزعةً ملحوظة سرت في الفترة الأخيرة في الأوساط الفكرية والثقافية الدينية ، وتعبّر هذه النزعة عن حالةٍ من النقد الشديد للدراسات النظرية في الفكر الديني والتي لا توجد تردّداتٌ عملية لها الأمر الذي يبرز واضحاً في علم أصول الفقه ، وهذه النزعة يمكن الموافقة عليها والدفاع عنها للخلاص من الجهود الإستنزافية التي غرقت بها الدراسات الدينية في الكثير من الأحيان ، إلا أنّ المشكلة تكمن في ظاهرة تخطّي هذه النزعة للحدود المنطقية وتحوّلها أحياناً إلى ظاهرة رفضٍ فيه شيءٌ من الإطلاقية وشعورٌ بحالةٍ من التأزّم ، وهو ما يؤدّي إلى ضياع الكثير من الجهود وقطع مسار تواصلها وديمومتها ، ولعلّ هناك من يتحدّث اليوم عن علم أصول فقهٍ مصغّر جداً قد تؤدي الموافقة عليه إلى شيءٍ من فقدان الدراسات التأسيسيّة الهامة ، كما لعل هناك من يستبعد الكثير من
هامش
( 1 ) يراجع : عبد الجبار الرفاعي ومحمد مجتهد الشبستري في المصادر السابقة .