وأمام هذا الواقع ، يقف الكلام المعاصر عند مفترق طرق ؛ فالنزوع الطبيعي نحو الموروث وضرورة إلغاء القطيعة معه وأهمية الشروع من حيث وقف الآخر لا من حيث انطلق وأمورٌ أخرى ، تسوق علم الكلام نحو عملية إعادة بعث لتاريخه ، ومن ثم إعادة إنتاج ذاته وفقاً لذلك . . لكن على خطٍّ آخر ، من الضروري هنا تنحية الخطاب الموروث عندنا ، والذي يتداول عملية التواصل مع الماضي أحياناً بوصفه خطاباً تعبوياً ثورياً أكثر منه خطاب علمي ، وكنتيجةٍ لهذا الإقصاء للخطاب التعبوي هنا ، تبرز الحاجة لدراسة الفرص الواقعية التي تؤكّد منطقية - لا عبثية - محاولة العودة للتراث كأساسٍ أولي لأي تغيير ، لا مجرد عنصر مساعد ، وهل هناك ما يحلّ المشكلة في هذه الخطوة ؟ هل سنتقدم خطوة أو خطوات إلى الأمام نتيجةً لذلك أم أنّنا سنعيد اجترار الماضي بأسلوبٍ آخر ، كما حصل أحياناً في مجالات أخرى ؟
وهكذا نجد أن هناك ما يبرّر التسمية إلى حدٍّ ما ، إذا ما استطعنا أن نحدّد الجواب على السؤال المتقدم ، فهل التغيير الحاصل في المبادئ والمسائل والمنهج ، بل والهندسة المعرفية ، سيسمح بإعطاء الأولويّة للكلام القديم في الاستمداد منه مصدراً وحيداً وأساسياً ؟
إنّ واقع التغيرات الشاملة التي حصلت يمكن القول بأنها شطرت الكلام القديم وتشطره من جهة ، كما أنها تلغي ثمار كثيرٍ من أبحاثه من جهةٍ أخرى ، فالدراسات السياسية ودراسات علم الاجتماع وعلم النفس اليوم ما أكثر ما تهمّش من أبحاث أساسيّة في الكلام ، سيما فيما يرتبط بأنظمة الحكم وأنماط تشكّلها ، كما أفرغ علم الفقه والأخلاق الكلام من مساحاتٍ واسعة من عمله ، وعاد التداخل الذي فرضته الفلسفة في أبحاث من قبيل أبحاث الوجود بمثابة المبادئ التي يستمدّها علم الكلام من غيره ، بدل أن يعالجها هو والفلسفة معاً ، بل إنّ العلوم الطبيعية الحالية قد سلخت عن علم الكلام حيزاً مهماً كان يشغله ، وأفرغت كثيراً من تصوّراته من مضمونها وهكذا .
فالحقيقة أن ما يريد أن يسعى له الكلام الجديد أو التجديد المنهجي
مسألة المنهج في الفكر الديني — صفحة 240
مساهمون: حيدر حب الله
ص٢٤٠