بين العقل والنص ، وإذا لم يكن بالإمكان تحقيق المصالحة الشاملة ، فليس من بدّ لصالح الجميع في رفع شعار المهادنة ، فهو أمرٌ واقع ، لا مفرّ منه إلا إلى تجاذبات القمع ومحن التفكير القديمة الجديدة .
وما يعنينا هنا في هذه المناسبة التركيز على عدم التعامل مع تيار العرفان ، تعاملًا قائماً على السخرية أو القمع أو التجاهل ، وإنما - لا أقل - الإقرار به مهما كان الموقف النظري من المنهج .
ونؤكّد على موضوع السخرية والاستهزاء ؛ لأننا نلاحظ فريقاً كبيراً من تيارات الثقافة والمعرفة الدينية يتعامل مع العرفان تعاملًا طاووسيّاً نرجسيّاً دون أن تكون عنده أدنى خبرة بهذا العالم وبهذه التجربة والتاريخ ، وهذا ما نلاحظه ينسحب على جماعة من الفقهاء تعاطوا بقسوة حادّة مع هذا التيار ، ليس آخرهم صاحب كتاب « تزكية النفس » « 1 » .
إنّ هناك فرصة كبيرة لتحالف - لا مصالحة فحسب - بين تيار العقل والعرفان بالخصوص ، ثمّة في العرفان منافذ حركيّة يمكنها أن تخرق بعض الجدران ، إن التجربة العرفانية تمتاز في عمقها بدعوة - رغم بعض الإشكاليات - إلى بناء الدين بناءاً قائماً على الحريّة ، دعوة تريد اختراق حرفيات النصوص ، على نسق أبلغ مما فعله المعتزلة في نظريّة المجاز ، وثمة في العرفان تجاوز لشكلانيات دينية وتركيز على روح الأشياء ، أي نحو من المقاصدية العامّة ، وثمة فرص يفتحها العرفان باعتقاده كسرَ آليات الدرس العلمي وبروتوكولات المعرفة ، بل يمكنني القول : إنّ الاتجاه العرفاني كان من أسبق الاتجاهات التي عملت على التقريب الديني والمذهبي ، ولولا سيطرة المفاهيم
هامش
( 1 ) انظر على سبيل المثال : السيد كاظم الحسيني الحائري ، تزكية النفس : 148 و 151 و 155 و 158 و . . حيث استخدم كلمات وعبارات فيها نوع من القسوة والظلم والاستهزاء بحقّ بعض أعاظم العرفاء .