لقد كانت هذه الخلافات أكبر مما نتصوّر ، قاسية حادّة مفرطة ، مورس فيها القمع ، فقمع تيار النص تيار العقل حين قُتل الاعتزال في التاريخ الإسلامي ، وقمع تيار العقل تيار النص في محنة خلق القرآن وفضيحة تحالف العقل مع السلطة في الخطأ الاعتزالي التاريخي « 1 » ، وعلّق القلب والعرفان على أعواد المشانق حينما صلب الحلّاج ( 309 ه - )
واليوم ، حيث هذا الصراع بأشكاله المعاصرة ما يزال قائماً من الناحية الميدانيّة ، ثمّة حاجة للتفكير لكي لا تتكرّر تجارب الماضي ، لكي لا يبلغ تيار العقل والعقلانية مقاليد السلطة فيقمع الفقهاء والمحدّثين ناعتاً إياهم بتيّار التخلّف والرجعيّة ، وأن لا يصل الفقيه إلى مصادر القرار ومراكزه فيصدر حكمه بالتكفير على الفيلسوف والعارف ، فيقضي بفعلته هذه على روح العقل والتفكير ، ويسحب الحاضر على الماضي بدل أن ينتج منه المستقبل ، وأن لا يتسنّم العارف مقام القوّة والسطوة فيسخر من فرقائه ، وينعتهم بأهل الظاهر والقشور ، ويكيل لهم الألقاب والأوصاف ، ليكونوا عنده كفرعون موسى على حدّ تعبير ابن عربي .
يجب التفكير في حلّ لهذا التناقض ، ويجب السعي لعدم تكرار الماضي واستعادته كما يبدو أنه يحصل فعلًا ، ويجب أن يدرك الجميع أن ليس من علم هو الأشرف إلا نسبياً ، وأن ليس من معرفة ضحلة لا تنفع إلا نسبياً .
إن المصالحة ، لا تتحقّق سوى بتعديل المناهج وفق رؤى جديدة ، على الأقل ما يتّصل منها بخطوط التماسّ ، وإلا أيضاً بتعديل السلوك تعديلًا جذرياً ، وذلك ليس بالأمر اليسير .
ثمة حاجة إلى كيان مستوعب يجمع القلب والعقل والنص ، وهو أمرٌ على صعوبته ، هناك تباشير فيه ، منذ ابن رشد ( 595 ه - ) تقريباً في محاولته الجمع
هامش
( 1 ) يناقش بعض الباحثين في صحّة القمع الاعتزالي تاريخياً .