الظاهر والباطن ، وأخلاق النص والعقل ، علاقة جدلية تفاعليّة ، لكن حيث سيطرت أخلاق الغزّالي حتى غزت الشيعة الإمامية كما في « المحجّة البيضاء » و « الحقائق في محاسن الأخلاق » للفيض الكاشاني ( 1091 ه - ) ، لم نجد تطوّراً جذرياً في فلسفة الأخلاق بعد الغزّالي إلى القرن العشرين تقريباً .
نعم ، إنّها إشكالية حقيقية وقع فيها تيار الأخلاق الصوفي والنزعات الروحية في الإسلام ، وكانت هناك مطالبة بتوازن يحدّ من إفراط العقل والنص ، والفرد والاجتماع ، والظاهر والباطن ؛ لتكوين صورة أكثر اعتدالًا وتلاؤماً .
لكن الكلام في مَدَيَات هذه الإشكالية ، فهل تمتدّ للعرفان الإسلامي بأشكاله المتطوّرة ؟ وإذا امتدّت له ، فهل يوجد في هذا العرفان مقوّمات لاختراق الإشكالية أو تجاوزها ؟
إنّ هذه الإشكالية - فيما نفهم - تعاني من نقص في استشراف تجارب العرفان كلّها ، وحتى في فهم المقصود أحياناً ، دون أن نلج عالم الغزّالي في هذه النقطة بالذات .
إنّ العرفان مطالب بتجاوز هذه العقبة ، وعندنا تجربة عرفانية تؤكّد القدرة على هذا التخطّي بدرجة عالية ، وهي بعض مظاهر العرفان الشيعي الأخير بالخصوص ، وأحبّ هنا أن آخذ ثلاث عيّنات تؤكّد قدرة العرفان الشيعي بأشكاله الأخيرة على حلّ هذه المشكلة ميدانياً بنسبة جيّدة ؛ بقطع النظر عن الأصول النظرية لهذه الحلول ، وهل أنها موجودة في العرفان القديم سيما عند ابن عربي أو لا ؟ كما وبقطع النظر عن حلّ العرفان الشيعي عبر العيّنات التي سنأخذها للإشكاليّة بجميع أبعادها خصوصاً الاجتماعيّة منها .
وهذه العيّنات هي : الإمام روح الله الخميني ( 1989 م ) ، والعلامة السيد محمد حسين الطباطبائي ( 1981 م ) ، والشهيد الشيخ مرتضى مطهري ( 1980 م ) ، فقد كان هؤلاء - سيما الأوّلين منهما - من أقطاب العرفان الشيعي في القرن العشرين أو من أقطاب المدافعين عنه والمنظّرين كالمطهري ، وكتبهم -
مسألة المنهج في الفكر الديني — صفحة 221
مساهمون: حيدر حب الله
ص٢٢١