الامتياز ، وليس من الضروري أن يعني الفرار العزلة في الجبال والكهوف والقفار ، بل انخناق دائرة العلاقات الاجتماعية ، بما يجعل الإنسان غير قادر على الارتياح أو التعاطي بعفوية مع من يختلف معه أو يمتاز عنه في نمط التفكير أو طريقة العيش ، وبعبارة أخرى ضمورٌ وإعاقة في القدرة على التكيّف الاجتماعي ، سببه الاعتقاد بأنّ هذا التكيّف سوف يفقده روحيّات كثيرة ، وأخلاقيات عديدة .
وعادةً ما تحاوَل لملمة هذا الموضوع عبر القول بأن السالك سوف يمرّ في فترة اللاتكيّف هذه - كما سمّيناها - إلى أمدٍ محدود ، ومن ثم يتجاوزها عندما يملك الحصانة الداخليّة الكافية تربوياً وروحياً وخلقياً ، ليدخل غمار الاجتماع الإنساني من جديد ، فاعلًا لا منفعلًا ومؤثّراً لا متأثّراً .
وهذه المقولة جديرة بالإقرار بها لولا مشكلة ميدانية لا يجدر التعامي عنها ، وهذه المشكلة هي أنّ انتقال السالك أو المهذِّب ذاته من مرحلة الخلوة الذاتيّة إلى مرحلة الانفتاح على عالم الخلق لا تبدو لنا مطمئنة ومضمونة على الدوام ؛ إذ أكّدت عيّنات كثيرة أن صاحب التجربة تنعكس على شخصيته تلك الأوضاع التربويّة الأولى التي خضع لها هنا ، ومن ثم كانت أكثر العيّنات على عكس ذلك ، وهذا معناه وجود خللٍ ما في النظام التربوي الروحي في الفكر الصوفي والأخلاقي الديني عموماً .
بين الأخلاق الباطنيّة والأخلاق الاجتماعيّة
وقد أدّى هذا الوضع ، كما تسبّب ، عن ظهور تيار بل نزعة واسعة في البناء الأخلاقي والروحي الإسلامي ، تُركّز جهودها على الأخلاق الروحية الباطنية ، حتى بلغ الحال مع الغزّالي - ومن بعده الفيض الكاشاني - لكي يعرّف علم المعاملة بأنّه علم أحوال القلب « 1 » ، وفي هذا التعريف ما فيه من
هامش
( 1 ) انظر : إحياء علوم الدين 1 : 32 ؛ وللفيض انظر : المحجّة البيضاء 1 : 66 - 69 .