دلالات ، ولهذا نجد حديثاً موسّعاً عن الرياء والعجب وحب الذات والخوف والرجاء والأمل واليأس والغرور وحسن الظنّ بالله والخشية منه والحبّ له و . . من المفاهيم التي تحتلّ مكانتها الرئيسية في إصلاح الباطن وإن تركت آثارها على إصلاح الظاهر ، فيما وجدنا من طرف تيارات الأخلاق الصوفية انحساراً نسبيّاً لمفاهيم الأخلاق الاجتماعية كالصداقة ، وزيارة الإخوان ، ومعاشرة الزوجة ، وتربية الأطفال ، والابتسامة ، والسلام ، والتحية ، والاجتماع ، والضحك ، والمزاح و . . وكان ذلك بسبب طغيان النزعة الباطنية التي راكمت هي الأخرى من الانطوائية وكرّست نحواً من أنحاء العزلة والفرديّة .
لقد أدّى هذا الوضع إلى ظهور ثقافة مميّزة في بعض المجتمعات التي طالما رزحت تحت وطأة النزعات الصوفية ، إذ يلاحظ وجود غلبة لأخلاقيات الباطن على حساب أخلاقيات الاجتماع ، فيبدو الفرد في روحياته العميقة وأحاسيسه الدينية خائضاً في بحر متلاطم لجّيّ ، ولكنّ هذا الواقع لا ينعكس تماماً على أولوياته الاجتماعية ، بل لا يشعر بتلك الأولويات الاجتماعية في تصوّراته الأخلاقية ، على العكس من مجتمعات أخرى لم تعرف بذلك ، حيث نجد غياباً نسبياً لانفجارات الأحاسيس الروحية وإصلاح الباطن فيما نلاحظ حضوراً قويّاً وفاعلًا في الثقافة لمفاهيم الاجتماع وأخلاقيّاته ، ولهذا لاحظنا نظماً تربويّة شبه راكدة في المجتمعات ذات النوع الأوّل نتيجة الركود الذي ينتاب النظرية التربوية الروحية انطلاقاً من طبيعة الركود الذي يسيطر على تكوين النفس الإنسانية ، فيما لاحظنا حراكاً في النظم التربوية في العقل الجمعي للمجتمعات ذات النوع الثاني وتقبّلًا أكبر لمفاهيم نسبية الأخلاق ، انطلاقاً من ارتهان النظم الأخلاقية في هذا النوع من المجتمعات لنفس البنية الاجتماعية ، الأمر الذي يجعل الأمور على حركة دائمة نظراً للتحوّلات المستمرّة في السياسة والاجتماع .
ولسنا نفضّل تقديم أخلاقيات الاجتماع على أخلاقيات الروح للفرار من هذه المشكلات أو للخلاص من نزعات السكونية أو الانطوائية في الشخصية
مسألة المنهج في الفكر الديني — صفحة 219
مساهمون: حيدر حب الله
ص٢١٩