الروحية ، وإنما نحاول التأكيد على إيجاد توازن بين هذه الأخلاقيات والقضايا الروحية لكي لا يؤدّي فقدان التوازن هذا إلى بروز نتوءات كالتي أشرنا إليها .
وغرضنا من ذلك كلّه ، تأكيد الإشكالية التي أثرناها ونقلناها عن أبي زيد عبر توسعتها والإطلالة عليها من جوانب عدّة ، إشكالية الأخروي والدنيوي ، الروح والمادّة ، الثابت والمتغيّر ، الباطن والظاهر ، الفرد والاجتماع إلى غيرها من الثنائيات .
لقد تورّط العقل الصوفي في مشكلة كهذه ، وقد تأثّر به العقل الأخلاقي الإسلامي عموماً بدرجة أو بأخرى من درجات التأثّر ، وحيث كانت الأخلاقيات تتّجه نحو إطلاقية وركود كما أشرنا ، صار هناك مجال لفتح بابٍ على مرجعية التراث ، لأنّ هذه المرجعية كان بإمكانها مواكبة الدرس الأخلاقي الروحي لضآلة الحراك والتحوّل الموجود فيه ، إنّ ما فعله الغزّالي في « إحياء علوم الدين » من بناء الأخلاق على النص وأخبار الصحابة والصالحين كان نتاجاً طبيعياً لهذه الظاهرة وسبباً لها في الوقت نفسه ، أما أبو علي مسكويه الرازي ( 421 ه - ) فقد ركّز في « تهذيب الأخلاق وتطهير الأعراق » على العقل أساساً لبناء النظم الأخلاقية ، وكان اعتماد مسكويه بالدرجة الأولى على قراءة معمّقة للاجتماع البشري لم يُسبق عليها في الوسط الإسلامي ، ولذا وصف بمؤسّس فلسفة الأخلاق في الإسلام « 1 » .
إن هناك علاقة بين جبهات عدّة ، بين أخلاق الفرد والاجتماع ، وأخلاق
هامش
( 1 ) انظر : أبو علي مسكويه ، تهذيب الأخلاق وتطهير الأعراق ؛ وانظر له أيضاً كتاب الحكمة الخالدة ، ويدلّنا الكتاب الثاني - إلى جانب الخبرة التاريخيّة له والتي ظهرت في كتابه الشهير « تجارب الأمم » - على اعتماد مسكويه على التجارب البشرية في فهم الأخلاق ، فقد استعرض فيه حكم الفرس والهند والعرب والروم ووصايا الإسلاميين المحدثين ، وهي نقطة امتياز لصالح الأفق المعرفي العقلاني المفتوح عنده .