تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مسألة المنهج في الفكر الديني — صفحة 217

مساهمون:

ص٢١٧
في أن العقل الصوفي عقل أخروي فردي ، يرى الهدف في تحقيق الخلاص الفردي ، ومن ثم فالدنيا عنده لا تعبّر عن شيء ، الأمر الذي يجعل من عمارتها ربما مفسدة ومعيقاً لبلوغ الآخرة . ويترك هذا التفكير أثره في شلّ التقدّم الاجتماعي والسياسي والتكنولوجي أيضاً ، بوصفه هذه الاهتمامات تعلّقاً بالدنيا الفانية ، لأن ما ينبغي للسالك أن يأخذه من الدنيا ليس إلا القدر اللازم لسدّ رمقه ، وكلّ ما سوى ذلك فهو محاسب عليه ، ومسؤول عنه حتى لو كان من حلال . وتشيع هذه الثقافة - إلى جانب العزلة - منطقَ الفقر والفاقة ، وتكره تطوير الحياة نحو عيش مادّي رغيد . وهذه الإشكالية التي تواجهها تيّارات التصوّف ، هي في الجملة حقّ ، بعيداً عن نقطة الخطأ ، هل هي تقسيم الغزالي للعلوم الإسلامية والقرآنية أو غيرها . . ؟ بل يمكن تشريح هذه الإشكاليّة أكثر عبر القول : إن بعض النزعات الصوفية والمدارس الأخلاقية قد لا تربّي إنساناً سليماً في الحياة الشخصية والعائلية والاجتماعيّة ، ولا تنتج شخصية سويّة تتمتّع بأوصاف الصحّة والسلامة من الزاويتين النفسيّة والاجتماعيّة ، ولكي نرصد هذا الواقع المصنّع في بعض مدارسنا الأخلاقية والروحية - حتّى المعاصرة - بإمكاننا ملاحظة عيّنات دالّة ، وعلى سبيل المثال ظاهرة الشخصية الانطوائية التي نلمسها عند البعض ، وتمثّل نتاجاً من نتاجات الفعل الأخلاقي ، إنّ الاستغراق في المناحي الأخلاقيّة والروحية أدّى إلى شبه قطيعة بين الإنسان ومجتمعه ، ولهذا وجدنا عيّنات كثيرة لا تتحمّل أشكال الاختلاف الاجتماعي تحت ذرائع أخلاقيّة ، مما يؤدّي إلى الانسحاب الاجتماعي ، وبالتالي ، تكوين شخصيات انطوائية . ولسنا نقصد بذلك عدم الامتياز عن شرائح المجتمع الأخرى ، فإنّ هذا الامتياز حقيقة مطلوبة ، نظراً لكثير من مواقع الحرام أو المذموم في المجتمع عادةً ، وإنما نقصد الفرار من المجتمع بحجّة أنّه السبيل الوحيد لتكوين هذا